بدأت الولايات المتحدة وإسرائيل التفكير بصورة اكثر جدية وإستراتيجية في النظر إلى خطورة تنامي الميليشيات المسلحة، بسبب استمرار وتصاعد وعودة الاقتتال في الشوارع بشكل ضار فيما بينها في صدامات طائفية وعرقية.
بل وتتحول إلى قوة اجتماعية وسياسية وأمنية في مناطق جغرافية، تكاد تمنحها قوة ونفوذا شعبيا ومركزيا في تلك المناطق، بعد أن عللت حملها للسلاح بحجة حماية السكان بعد انهيار الدولة أو غياب قدرتها على السيطرة وبسط نفوذها الأمني.
بينما الواقع يؤكد المقولة العربية، حق يراد به باطل، إذ تسعى تلك الميليشيات بقوة السلاح كذراع عسكرية لنفوذها السياسي المستقبلي الإسراع في السيطرة على مناطقها وتحويلها إلى معاقل مغلقة تنفذ من خلالها للمراكز العليا وتنفذ فيه طموحاتها وسلطتها المصغرة. وشهد نفوذ جيش المهدي تزايدا، فقد بدأ صغيرا مع سقوط نظام صدام، إلى أن صار قوة عسكرية مؤثرة كمدينة الصدر والبصرة والنجف.
وقد تمركز في أحياء كالضاحية الجنوبية من المدينة. ويثير الخوف والقلق بأن يتحول، الصدريون، بطريقة ما إلى قوة اكثر نفوذا كما هو حزب الله، اذ يرى المراقبون مجددا في إسرائيل والولايات المتحدة تحديدا عودة نفوذ وقوة حركة طالبان وقدرة المحاكم الإسلامية في الصومال ببسط سيطرتها على المناطق، نتيجة قدراتها القتالية وتملكها أسلحة وأعدادا بشرية من شباب، تتملكهم الحماسة والعقائدية بعد تجربة الحرب الأخيرة في لبنان بات من المهم تطويق واجتثاث ومداهمة أحياء بكاملها في بغداد والبصرة والنجف بحثا عن أسلحة مكدسة.
فقد صار جيش المهدي يمتلك 30 نائبا في البرلمان العراقي من 275 عضوا، وهذه تشكل قوة سياسية مهمة داخل الكتلة الشيعية والساحة السياسية ، إلى جانب قدراته العسكرية وهي الأكثر خطورة وتهديدا على الوضع الداخلي والإقليمي.
فما تفكر فيه القوى الكبرى ومعها إسرائيل هو كيفية سحب تلك الأسلحة من الميليشيات الإسلامية المؤيدة لإيران، خاصة وان العراق جار حيوي، وبوجود قوة مسلحة من طراز جيش المهدي سيكون جبهة مربكة وخلفية مزعجة للجيش الأميركي في حالة انتقاله لتنفيذ مخطط ضرب أحد محاور الشر المتبقية وفق منظوره الاستراتيجي.
ما يزعج الولايات المتحدة وإسرائيل في جيش المهدي، هو انه نسخة مبطنة في خطابه السياسي من خطاب الاتجاه الإيراني المتشدد، بل ويعيد دائما مسألة جدولة وضرورة انسحاب الجيش الأميركي من العراق تحت حجة السيادة الكاملة، باعتبار أن ذلك يشكل هّما كبيرا للجمهورية الإيرانية، ومن الضروري إبعاد شبح تلك القوات من الجوار، مما يجعلها تدفع بمقتدى الصدر.
والذي يلقى دعما ماليا منها، في الإصرار بشكل دائم على ضرورة التعجيل بالرحيل من العراق، حتى وان كان جزءا كبيرا من العراقيين، يرون أن رحيل الأميركيون قبل توفير الظروف المناسبة سيترك فراغا أمنيا كبيرا يدخل البلاد في المجهول وفي صراع طائفي، خاصة .
وان كل الطوائف تمتلك خزانات من الأسلحة المكدسة، ومن الصعب سحبها إن لم تكن هناك أولا حكومة مركزية محلية قوية وثانيا اقتناع تلك الميليشيات بأن الديمقراطية والانخراط في العملية السياسية هي الطريق الوحيد والأمثل لبناء دولة قوية وسلم أهلي قائم على التوافق الاجتماعي. وقد وصف السفير الأميركي للعراق زلماي خليل زادة المجموعات الميليشية في العراق بأنها تشكل البنية التحتية للحرب الأهلية.
ويتلقى جيش المهدي من إيران دعما ماليا مكنّه من الاستقواء والبروز، فقد كانت لإيران تجربة غنية مع حزب الله في لبنان ساعدته على استلهام ونقل تلك التجربة إلى العراق، فذلك يحقق لها ضمانات وطمأنينة سياسية وامنية، فالبصرة والحدود الشاسعة العراقية مع إيران تصبح بوابة خطيرة في ظروف الحرب المحتملة.
ومنح تاريخ جيش المهدي الفتي وتنظيمه السياسي الجديد، شعورا بالقوة عندما حقق نجاحات نسبية في حماية الشيعة في مناطقه بعد أن استشرى العنف. إذ قام مقاتلو جيش المهدي بمواجهات ضد القوات التي تتزعمها الولايات المتحدة في إبريل وأغسطس 2004.
ومع استمرار هجمات المسلحين، التي تستهدف المناطق الشيعية بشكل متزايد، أصبح جيش المهدي أحد القوى المسلحة الرئيسية على الأرض في مدينة بغداد، إذ يسيطر على المناطق ذات الأغلبية الشيعية ويوفر لها الحماية. وقد اتهم السنة جيش المهدي بتنفيذ عمليات قتل طائفية وبتشكيل فرق الموت والإعدام، غير أن الصدر ينفي تلك الاتهامات أو يحّملها مجموعاته المنفلتة.
وقد عادت مجددا النزاعات وشهدنا مقتل وإصابة العشرات في هجوم بمدينة الصدر في شهر رمضان استهدف مستودعا للكيروسين في المدينة، واعتبر هجوم يوم الأحد الاكثر دموية في العراق خلال هذه الفترة. وباتت مدينة الصدر مركز الصراع لعمليات العنف والعنف المضاد بين الشيعة والسنة.
وتطور واتسع نطاق الصدام المسلح بمقتل 32 وعشرات الجرحى باشتباك بين الجيش العراقي وأنصار الصدر وقعت بين الطرفين في بلدة الديوانية. ونتج الاشتباك بسبب مداهمة الجيش العراقي ثلاثة أحياء لطرد المسلحين ولمصادرة أسلحة. ثم كثفت القوات الأميركية عمليات مداهمة في مدينة الصدر الضاحية الشيعية في بغداد والتي تعتبر معقلا من معاقل الزعيم مقتدى الصدر.
وقد أشار الميجر جنرال وليم كالدويل أن العملية المسماة، معا إلى الأمام، والتي بدأت في الرابع عشر من شهر يونيو المنصرم سوف تنتقل في نهاية الأمر إلى مدينة الصدر. وبرؤية أميركية جديدة بضرورة تنظيف المعاقل الأساسية للجيش المهدي في المراكز الحيوية كالبصرة والنجف وبغداد وفي أهم معاقلها مدينة الصدر والديوانية.
وقد بدأ مسلسل التنظيف في الأسبوع الأول من شهر أكتوبر الحالي، حيث قتلت قوات أميركية 30 من ميليشيات جيش المهدي بالديوانية بعد اشتباكات ضارية في شوارع المدينة ولمدة خمس ساعات، فدخلت القوات الأميركية والعراقية بهدف مهمة اعتقال هدف، على درجة كبيرة من الأهمية،.
غير أن مسؤولا رفض الكشف عن اسمه من جيش المهدي ألقى اللوم على مسلحين مارقين !! وهذه تخريجة سياسية معهودة دائما لدى تنظيمات سياسية قابلة لتمردها من الداخل وبتغيير أقنعتها وفق المتغيرات. لقد بات الدرس اللبناني وقوة الميليشيات في العراق جرس إنذار يقرع في البيت الأبيض.
كاتب بحريني