أعلنت كوريا الشمالية أنها أجرت في التاسع من هذا الشهر تجربة ناجحة لتفجير نووي تحت الأرض في حقل هواديري في إقليم كيلدجو، محافظة هامجين ـ بوكتو شمال شرقي البلاد. الأميركيون واليابانيون قالوا انهم لم يسجلوا ذلك اليوم أية تأكيدات عن التفجير. لكن أجهزة الاستطلاع الكورية الجنوبية أكدت بأن التفجير النووي أحدث زلزالا بأثر مغناطيسي مقداره 58 ,3 درجات.

كما أكد قائد الإدارة الثانية عشرة في وزارة الدفاع الروسية الجنرال فلاديمير فيرخوفتسيف أن ما حدث هو مئة بالمئة تفجير نووي. وكانت روسيا قد تأكدت منذ العام الماضي من خلال الصور الفضائية أن طموحات بيونغ يانغ سائرة نحو القيام بهذه التجربة.

ومع أن كوريا الشمالية وحدها التي أكدت هذا الخبر في الأيام الأولى بشكل رسمي.. ومع أن الصاروخ «تيبخودون -2» العابر للقارات والقادر على حمل الرؤوس النووية الذي أطلقته قبل ذلك أخطأ مساره فسقط بالقرب من الحدود الروسية بدلا من منطقة هاواي كما كان مقررا، إلا أن كوريا الشمالية قد أنجزت العمل الأهم. لقد حددت بشكل صريح وواضح نيتها الدخول ضيفا غير مدعو إلى نادي القوى النووية.

لم تجد هذه الخطوة ترحيبا رسميا من قبل أية دولة في العالم، وهو الموقف الصحيح من حيث المبدأ. لكن هذه الدول، خصوصا المعنية الأعضاء في «مجموعة الست» تعرف أن القائد الكوري لا يشق طريقه نحو صدام نووي فعلي.

إنه ينظر إلى السلاح النووي على أنه أداة فعالة يستطيع بواسطتها تحسين وضع بلاده الاقتصادي وزيادة وزنها السياسي. وبهذا المعنى يشكل صاروخ «تيبخودون» وسيلته لبلوغ هذه الأهداف. وبعكس ذلك تستخدم الولايات المتحدة قوتها العسكرية والسياسية لتشديد الخناق الاقتصادي والسياسي على جمهورية كوريا الديمقراطية الشعبية منذ انتهاء الحرب الكورية (1950 - 1953.)

هذا البلد معروف بسياسته غير الاستسلامية في الدفاع عن سيادته الوطنية ومصالحه. وفي هذه المرة أكد أنه سيعتبر اشتداد الضغوط الأميركية بمثابة إعلان حرب أميركية. «لقد أجبرونا أن نستعرض امتلاكنا السلاح النووي لندافع عن سيادتنا وحقنا في الوجود على خلفية التهديدات الأميركية » على حد قول ممثل وزارة الخارجية الكورية الشمالية لهيئة الإذاعة البريطانية، مضيفا « ®. إلا أن سياستنا الهادفة لجعل شبه الجزيرة الكورية منطقة خالية من السلاح النووي تبقى ثابتة. ونحن نريد التوصل إلى ذلك عن طريق الحوار والمفاوضات ».

دعت واشنطن في البدء إلى فرض عقوبات مشددة، لكنها سرعان ما اضطرت تحت ضغط المجتمع الدولي لتعديل مسودة مشروعها الأولي إلى مجلس الأمن باستبعاد الاستناد إلى الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة الذي يجيز استخدام القوة بعد موافقة مجلس الأمن في حال خرق كوريا نظام العقوبات، واستبداله بالمادة 41 من نفس الفصل التي تجيز استخدام إجراءات غير عسكرية كفرض الحصار الاقتصادي، قطع العلاقات الدبلوماسية وفرض حظر كامل على الملاحة الجوية.

واقتصر حظر الإمدادات العسكرية على أنواع ثقيلة من أسلحة المدرعات والحوامات والطائرات العسكرية، وكذلك السفن العسكرية والصواريخ. كما اقتصر منع الواردات على المواد الكمالية والتكنولوجيات التي يمكن استخدامها في صنع الأسلحة الصاروخية والقنابل الذرية.

وحاولت الولايات المتحدة الإبقاء على نص يجيز لأي بلد أن يجري تفتيشا إضافيا للحمولات المتجهة لكوريا الشمالية لضمان عدم نقل أسلحة الدمار الشامل إليها، بينما وقفت روسيا ضد فرض العقوبات عموما، حسب الوضع حتى لحظة كتابة المقال. كما أقدمت اليابان من جانب واحد على عقوبات مشددة ضد كوريا الشمالية بفرض حصار على وارداتها والحد من تحركات دبلوماسييها ومواطنيها وعدم السماح لسفنها بدخول المياه الإقليمية اليابانية.

من بين دول «مجموعة الست» الصين هي صاحبة التأثير الأكثر جدية في المنطقة. وهي ليست ذات مصلحة في امتلاك جارتها الكورية للسلاح النووي. لكن من المفهوم أيضا أنها لا ترغب في التهاب الوضع على حدودها والذي سينشأ بالضرورة في حال فرض حصار كامل على كوريا الشمالية، لذلك فهي تسعى لحل المشكلة بالوسائل السلمية. وبهذا المعنى يمكن فهم الموقف الروسي.

الموقف الأكثر أثرا سيكون ذلك الذي ستتخذه كوريا الجنوبية، حيث تصاعدت دعوات غير رسمية لتشديد العقوبات الاقتصادية ضد جارتها الشمالية. لكنه لو أقدمت كوريا الجنوبية على وقف الدعم المالي عن كثير من المشاريع المشتركة بين الكوريتين والتي يعمل فيها آلاف المواطنين الشماليين فذلك قد يؤدي إلى كارثة حقيقية. عندها، كما يقول للإذاعة البريطانية بيتر بيك مدير أحد البرامج في إطار مجموعة الأزمات الدولية «®.

فإن كل الأمور ستضيق، حيث أن بيونغ يانغ ستحرم من أهم مصادر المال. وذلك يعني بأن الشمال قد يلجأ إلى وقف كل أشكال التعاون، وسوف تغلق كل ممرات السلام في المنطقة المنزوعة السلاح بين البلدين».

ورغم أن التجربة الكورية لن تحدث خللا في ميزان القوى الجيوسياسية في العالم، لكنها، حسب رأي مدير معهد موسكو للتقييم الاستراتيجي والتحليل وقيف حسينوف، قد تشكل عامل عدم استقرار يضاعف من أخطار استخدام السلاح النووي، ويسعر سباق التسلح في المنطقة.

إن من الواجب توجيه النقد لكوريا الشمالية على تجاهلها رأي غالبية أعضاء المجتمع الدولي ومصالح شعبها وإثارة القلق لدى جيرانها من وجود السلاح النووي ووسائط نقله في أيدي نظام أوتوقراطي لا تتخذ فيه القرارات الخطيرة وفق الآلية الديمقراطية.

وإذا ما بقي ذلك دون ردع فقد يشجع دولا أخرى في العالم على امتلاك السلاح النووي ووصوله إلى قوى متطرفة. لكنه في الوقت نفسه كيف يمكن إقناع دول العالم، خاصة المصنفة أميركيا ضمن «محور الشر» بأن الولايات المتحدة الساعية لفرض هيمنتها العالمية المطلقة مع ما يتطلبه ذلك من اكتساح أنظمة وشعوب كما حدث للعراق ولبنان وما يتهدد إيران وكوريا نفسها، بأن تطمئن إلى أن ذلك لن يحدث معها، وأن لا حاجة تضطرها إلى البحث عن سبل امتلاك السلاح النووي كقوة ردع أو أن تعمد إلى تصدير الإرهاب كعمل انتقامي ؟

بسبب هذه السياسة الأميركية تختلط ببعضها أوراق الحفاظ على بقاء نظام غير ديمقراطي في بلد ما والحفاظ على سيادة واستقلال هذا البلد، وأوراق حماية دكتاتور من السقوط وحماية شعب بأكمله من غزو أجنبي تتبعه حرب إبادة، وأوراق مواجهة سياسة داخلية جائرة للنظام والوقوف إلى جانبه في سياسته الخارجية الوطنية ضد الهيمنة الأجنبية!!

كاتب بحريني

ajnoaimi@gmail.com