بإطلاقها جائزة الشيخ زايد للكتاب تكون الإمارات قد أكدت من جديد سيرها على نهج قائدها المؤسس الذي رسّخ في أذهان أبنائها أن الأمم لا تقاس بثرواتها المادية وحدها، وإنما تقاس بأصالتها الحضارية وأن الكتاب هو أساس هذه الأصالة والعامل الرئيسي على تأكيدها لأنه وعاء العلم والحضارة والثقافة والمعرفة والآداب والفنون.
هذه هي المعاني التي دارت حولها كلمة صاحب السمو رئيس الدولة التي ألقاها نيابة عن سموه سمو الشيخ منصور بن زايد آل نهيان وزير شؤون الرئاسة في حفل إطلاق الجائزة. وهي معان لم تعد مجرد أقوال للاستهلاك الداخلي أو الخارجي بعد أن تحولت إلى أفعال، وتجسدت على أرض الواقع في مؤسسات علمية وثقافية وجوائز بدأت تأخذ مكانها .
وتتبوأ مكانتها على المستوى العالمي باعتبار جائزة الشيخ زايد للكتاب التي أُطلقت الأسبوع الماضي هي الأضخم والأشمل على مستوى العالم في ميدان التأليف والنشر كما صرح الشيخ سلطان بن طحنون آل نهيان رئيس هيئة أبوظبي للثقافة والتراث رئيس اللجنة العليا للجائزة.
من يقرأ مسيرة دولة الإمارات قراءة متأنية يجد أن هذه المسيرة قد مضت في مسارين متزامنين؛ مسار يصب في خانة الارتقاء بحياة مواطنيها المادية للرفع من مستوى معيشتهم بعد عقود من شظف العيش وقسوة الحياة.
وقد تمثل ذلك في الاهتمام بالبنية التحتية وبناء شبكة من الطرق ومرافق الخدمات كالمستشفيات والمجمعات السكنية والمرافق الأخرى التي تلبي حاجات المواطنين وتوفر لهم سبل العيش الكريم.
أما المسار الثاني فقد صب في اتجاه الارتقاء بعقل إنسان الإمارات وفكره متمثلا في الاهتمام بالتعليم بدءا من التأسيس وحتى الجامعة. وذلك بإنشاء المزيد من المدارس وإرسال البعثات الدراسية إلى الخارج ثم تأسيس الجامعات الحكومية وتشجيع إنشاء الجامعات الخاصة، حتى غدت جامعات الإمارات بشقيها الحكومي والخاص اليوم مصادر إشعاع علمي وثقافي يؤمها الدارسون من كل مكان.
متزامنا مع هذا الاهتمام بالجانب الأكاديمي كان هناك اهتمام بالجانب الثقافي متمثلا في الدور الذي قامت به وزارة الإعلام والثقافة منذ إنشائها وحتى إلغائها في التشكيل الوزاري الأخير واستحداث وزارة للثقافة والشباب وتنمية المجتمع.
وقد ساندتها في القيام بهذه المهمة الدوائر الثقافية المحلية التي أُنشئت في بعض إمارات الدولة للنهوض بهذا الجانب كالدائرة الثقافية في الشارقة التي أسهمت بجهد وافر في تنشيط الحركة الثقافية في الدولة بشكل عام وإمارة الشارقة التي اشتهرت بمعرض كتابها السنوي ومهرجاناتها الثقافية والفنية المتعددة والمتواصلة طوال العام.
وكذلك فعل المجمع الثقافي في أبوظبي منذ تأسيسه عام 1981 وحتى انضوائه تحت مظلة هيئة الثقافة والتراث بعد إنشائها ليواصل دوره في نشر الثقافة وإثراء الفكر وتشجيع الفنون والابتكارات العلمية وتأصيل الثقافات الوطنية وتنميتها.
وكان للقطاع الأهلي دور رائد في رفد الحركة الثقافية في الدولة وإثرائها بالعديد من الأنشطة والجوائز كما فعلت ندوة الثقافة والعلوم في دبي منذ إنشائها عام 1987 من خلال تنظيمها لجائزة راشد للتفوق العلمي، وجائزة العويس للدراسات والابتكار العلمي، وتنظيمها لمهرجان الإمارات الثقافي الأول عام 2004.
وكذلك فعلت مؤسسة سلطان بن علي العويس الثقافية التي تأسست عام 1988 تحت خيمة اتحاد كتاب وأدباء الإمارات ثم تحولت في منتصف عام 1992 إلى مؤسسة ثقافية مستقلة لتصبح جائزتها الثقافية واحدة من أكبر وأشهر الجوائز التي تشجع وتكرم الأدباء والكتاب والمفكرين والعلماء العرب في حقول الشعر والقصة والرواية والمسرحية والدراسات الأدبية والنقد والدراسات الإنسانية والمستقبلية والإنجاز الثقافي والعلمي.
كل هذا، إلى جانب العديد من المراكز والمؤسسات الثقافية التي لا يتسع المجال لذكرها، وضع دولة الإمارات على خارطة الدول الرائدة في مجال تشجيع الثقافة والفكر، لتأتي جائزة الشيخ زايد للكتاب تتويجا لما قدمته المؤسسات الثقافية من جهد حكومي وأهلي على مدى ثلاثة عقود ونصف هي عمر الدولة منذ قيامها عام 1971 وحتى الآن.
فما الذي يمكن أن تضيفه هذه الجائزة إلى شقيقاتها من الجوائز الثقافية العربية التي سبقتها كجائزة الملك فيصل العالمية التي أُنشئت عام 1977 لتمنح جوائزها العلماء الذي خدموا في مجالات الإسلام والدراسات الإسلامية والأدب العربي والطب والعلوم، وإلى الجوائز التي ستُطلق قريبا كالجائزة العالمية للكتابة الروائية التي تنوي دولة قطر إطلاقها ويدور الحديث عن أن قيمتها ستبلغ ثلاثة ملايين دولار؟
لا شك أن هذه الجائزة بفروعها التسعة التي أُعلن عنها ستلعب دورا محفزا للعلماء والمبدعين والناشرين العرب، مما قد يحسن الصورة التي تبدو من خلال تقارير التنمية البشرية التي تنشرها الأمم المتحدة وتظهر الأمة العربية في مؤخرة القاطرة خاصة في مجال التنمية الثقافية التي سجل العالم العربي فيها حقائق صادمة، فظهر في مجال الترجمة على سبيل المثال أن العالم العربي بمختلف دوله يترجم سنويا ما مجموعه 300 كتاب.
وهو ما يشكل خُمس ما يترجم في اليونان فقط، وفضلا عن ذلك فإن كل الكتب التي ترجمت في الوطن العربي منذ عهد الخليفة المأمون (وهي نحو 100 ألف كتاب وفق أفضل التقديرات) لا تتجاوز ما تترجمه أسبانيا في عام واحد!
إن إطلالة سريعة على فروع الجائزة التسعة تعطي انطباعا عن شموليتها لمختلف فروع الإنتاج الثقافي بدءا من التنمية والبناء، مرورا بأدب الطفل والمؤلفين الشباب والترجمة والآداب والفنون والتقنية والنشر والتوزيع، وانتهاء باختيار شخصية العام الثقافية ذات الإسهام الواضح في إثراء الثقافة العربية إبداعا وفكرا.
هكذا تضيف جائزة الشيخ زايد للكتاب إلى دولة الإمارات بُعدا ثقافيا وحضاريا وإنسانيا يدحض كل المقولات والأفكار التي لا ترى في دولتنا سوى غابات الإسمنت وشوارع الإسفلت، لتؤكد أن الإنجازات التي يحققها إنسان الإمارات تتجاوز بُعدها المادي لتصب في خدمة وإثراء البعد الثقافي والإنساني الذي طالما أكد مؤسس هذه الدولة وبانيها - طيب الله ثراه - على أنه هو البعد الحقيقي الذي يعطي الإنسان قيمته .
حيث إن العلم والثقافة والمعرفة هي أساس تقدم الأمم وحجر الزاوية في الحضارة ومرتكز بناء الإنسان كما جاء في كلمة صاحب السمو رئيس الدولة التي دشنت الجائزة.
جائزة الشيخ زايد للكتاب إنجاز حضاري آخر يضاف إلى رصيد الإنجازات الكبيرة التي تسجلها دولة الإمارات كل يوم لأنها استثمار في مجال من أهم المجالات؛ مجال بناء الإنسان الذي كرمه الله بالعقل ودعاه إلى إعمال الفكر، وهي لا شك لأبناء الإمارات مصدر اعتزاز وتقدير وفخر.
كاتب إماراتي
aliobaid2000@hotmail.com