إلى متى تتعامل الولايات المتحدة مع مجلس الأمن الدولي وكأنه فرع من الإدارة الأميركية؟

حالياً تواصل واشنطن ممارسة ضغوط على المجلس لحمله على إصدار قرارات بفرض عقوبات على ثلاث دول ـ إيران والسودان وكوريا الشمالية ـ لا لشيء إلا لأن كلا من هذه الدول تنتهج سياسة استقلالية تتعارض مع أهداف ومرامي الاستراتيجية الدولية الأميركية واعتبارات أمن الدولة الإسرائيلية.

إيران تستحق العقاب لسببين: أولاً لأنها مصدر إمداد وتمويل للمقاومة اللبنانية ضد الاحتلال الإسرائيلي المتمثلة في «حزب الله». وثانياً لأن لديها برنامجاً نووياً يمكن أن يبلغ مرحلة إنتاج أسلحة نووية تؤدي إلى تحييد القوة النووية الإسرائيلية، وبالتالي تكون مصدر تهديد لهيمنة وتفوق الدولة اليهودية في منطقة الشرق الأوسط.

لهذا استحقت إيران أيضاً أن يصدر ضدها حكم أميركي بأنها دولة «إرهابية».

والنظام الحاكم في السودان جدير أيضاً بالعقاب لأنه برفضه قوة تدخل عسكري أجنبي يحبط المشروع الخيري الأميركي لإنقاذ أهل دارفور من «هولوكست» عربي تتواطأ في تنفيذه الحكومة «العربية» ومجموعة القبائل العربية في الإقليم ضد القبائل «الافريقية».

ولا بد أيضاً من معاقبة كوريا الشمالية لأنها سمحت لنفسها باقتناء قوة نووية مما يهدد النفوذ الاستراتيجي الأميركي في منطقة شرق آسيا.

إن المفترض أن هيئة الأمم المتحدة التي يتبع لها مجلس الأمن الدولي منظمة عالمية تعنى بنشر السلام على المستوى العالمي. وبهذا المفهوم فإنها تسارع أو ينبغي أن تسارع إلى معالجة أي أزمة في أي بقعة في الكرة الأرضية يمكن أن تهدد أمن البشرية.

غير أن الولايات المتحدة لا تريد للمنظمة سوى ممارسة وظيفة انتقائية فلا تنظر إلا في قضايا تهم القوة العظمى ومعها إسرائيل بحيث تتحول المنظمة إلى فرع من مؤسسة السلطة الأميركية.

ونتيجة لذلك فإن أكثر المتضررين في هذا المسلك هم مجموعة دول العالم الثالث. ومما يضاعف من هذا الضرر أن هذه الدول لا يجمعها تكتل متماسك يمكنها من فرض نفسها كقوة دولية يحسب لها حساب.

أجل إن الصين وروسيا اللتين تملك كل منهما امتياز الفيتو ـ مثلهما مثل الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا ـ تتخذان من حين لآخر موقف معارضة ضد النزوات الاستراتيجية الأميركية ولكن بما أن كلا منهما ترسم معارضتها وتنفذها انطلاقاً من مبدأ المصالح ـ وهو مبدأ مشروع في ساحة الصراع الدولي إذا لم ينطو على أجندة عدوانية ـ فإنه قد يتصادف في بعض الحالات أن تلتقي مصالحهما مع مصالح الولايات المتحدة.

لكن الآن نشهد بوادر ظاهرة جديدة هي أن بعض دول العالم الثالث أخذت تفطن إلى إمكانية استثمار تناقض المصالح بين الصين وروسيا من ناحية والولايات المتحدة من ناحية أخرى إلى أقصى حد ممكن عن طريق إنشاء علاقة شراكة استراتيجية مصلحية مع كل من بكين وموسكو.

إنها ظاهرة متنامية يتبلور من خلالها تقارب صيني روسي مع إيران والسودان وكوريا الشمالية موجه ضد الولايات المتحدة في حلبة مجلس الأمن الدولي لمنع تحول هيئة الأمم المتحدة بالكامل إلى مؤسسة أميركية ينفرد بإدارتها جون بولتون.