في موقف استعاد به بعض بريق حضوره ودوره صوت مجلس الأمن على قرار بمعاقبة كوريا الشمالية على قيامها بتفجير نووي تجريبي تحت الأرض. الإجماع الذي ناله القرار يعكس، من حيث المبدأ، حرص المجتمع الدولي على أمرين: وجوب الالتزام بالحظر على إجراء تجارب نووية.
وثانياً، ضرورة التصدي لخطر انتشار هذا السلاح، صحيح أن القرار استثنى اللجوء إلى القوة العسكرية كخيار، إذا رفضت كوريا الانصياع ـ وذلك خلافاً لمنطوق الفصل السابع الذي حكم هذا القرار، تلبية لرغبة روسية وصينية ـ لكنه تضمن عقوبات شديدة وأبرز التوافق الواسع، بخصوص الملف النووي.
وهذا بحد ذاته رسالة إيجابية، في زمن تعصف به الصراعات والنزاعات الدموية، ويستبد به التطرف المفتوح على استخدام كافة الأسلحة والوسائل التدميرية.
بيد أن المعالجة وصيغ التصدي لهذا الخطر، لا تزال مشوبة بنواقص وأعطاب تمنعها من تحقيق الغاية المنشودة، ولو بالحد الأدنى، المتمثل بوقف انتشار الأسلحة النووية، أولى الشوائب أن القاعدة يجري تطبيقها بصورة انتقائية، فحيث تكون هناك مصلحة جيوسياسية لأحد الكبار وبالتحديد الولايات المتحدة، كما كان الحال مؤخراً مع الحالة الكورية، نرى مجلس الأمن يتحرك بسرعة قياسية، ويتوصل إلى توافق على تسوية، تلبي حاجة الطرف المستعجل. ولو بالقدر الميسور.
لكن إذا كانت القضية النووية، متعلقة بدولة مثل إسرائيل، تحظى وتنعم بالحماية الأميركية فإنه من غير المسموح فتح الملف، ناهيك عن التعامل معه بالمثل. ليس ذلك فحسب بل إن واشنطن تصدت أكثر من مرة لمحاولات حمل إسرائيل على فتح أبواب منشآتها النووية أمام أية مراقبة أو تفتيش، حتى ولو كان من قبيل الاستكشاف والإطلاع.
مثل هذه الأزدواجية، لا تفسد القاعدة فقط، بل هي تضرب مصداقية واشنطن ـ أو ما تبقى منها، إذا كان موجوداً عندما تنبري للحديث عن مخاطر انتشار السلاح النووي وضرورة العمل لإحباطه. أصلاً مثل هذا الكلام معطوب بكون صاحبه يملك ترسانة نووية قادرة على تدمير عوالم كعالمنا. وهنا الشائبة الثانية.
فإبداء الحرص على عدم الانتشار، لا يستقيم مع ممارسة الاحتكار، في النووي. مع ذلك، يمكن للعالم تفهم المعادلة القائمة والامتيازات التي تمنحها للكبار في هذا المجال، لاسيما وأنها حتى الآن، لم تتعامل مع سلاحها هذا خارج دوره الردعي المتبادل.
ما لا يمكن تفهمه هو أن تفرض أحياناً موقعها الممتاز لتأمين مظلة الوقاية لمشاريع نووية لغيرها. فقط لأن ذلك يخدم حساباتها.
فإذا كانت دعوة الكبار وبالذات أميركا، جادة، بخصوص إقفال النادي النووي وقطع الطريق على تمدد هذا الخطر الماحق الذي يهدد البشرية، فما عليهم إلا استصدار قرار من مجلس الأمن يقضي بوجوب منح كافة الدول ـ ولا استثناء لإسرائيل أو غيرها ـ لأبوابها أمام وكالة الطاقة الذرية، لتقوم بالتفتيش عن المحاولات السرية وغير السرية لتصنيع هذا السلاح.
ترك الخيار أمام الدول للانضمام إلى هذه الوكالة وبالتالي التزامها بالخضوع لعملياتها التفتيشية، أعطى البعض مثل إسرائيل ومن ثم الهند وباكستان، الغطاء لتمرير مشاريعها النووية. هكذا التفاف ينبغي طي صفحته والزام الجميع بالخضوع لهذا الإجراء، وإلا فإن العقوبات حتى عندما تفرض لا تكفل القضاء على هذه الآفة القاتلة.