الثورة الصناعية الأوروبية سبقها صراع قيم قاده الفلاسفة ورجال الإصلاح أدى إلى ثورة فرنسا لإنزال عرش الكنيسة، وقادت تلك الحركة هولندا، ثم بريطانيا، لتكونا النموذج الذي بعث مشروع البحث العلمي وتبنى مبادئ الحضارة الغربية التي استلهمت مصادرها الحقيقية من الحضارتين اليونانية والإغريقية، وبتعميم هذه النماذج على أمريكا الشمالية، لم يصل نموذجها إلى القطاع الجنوبي، عكس اليابان التي قادت جنوب شرق آسيا إلى انتفاضة جديدة، جيّرت هزيمة الحرب العالمية الثانية، إلى انتصار علمي وتقني دخل في سباق مع الغرب الأوروبي، وأمريكا، وأصبح نشاطاً باهراً ومنافساً تعدى العديد من الدول.
أكبر بلدين إسلاميين في آسيا، وأوروبا، أندونيسيا التي تعيش بجوار دول آسيا المتقدمة، و أستراليا شبه الأوروبية بتقاليدها واستنساخها النظام البريطاني، ومع ذلك لم يكن لتأثير هذين الجارين عليها قوياً بحيث تكون النموذج الذي يقدم تجربة متقدمة للدول الإسلامية الآسيوية، وباستثناء ماليزيا التي قفزت مع نجوم آسيا إلى الصدارة، فإنها شكل منفرد، لكن بسبب الحجم والتأثير السياسي والاقتصادي، لم تكن مصدراً لتأهيل الدول الإسلامية.
وتأتي تركيا شبه الآسيوية، والأوروبية، وهذا التمازج الجغرافي لم يضعها في مقدمة الدول التي تقود عالمها إلى نموذج خاص مع المجاميع الإسلامية المحيطة بها في آسيا الوسطى والوطن العربي لأنها عاشت تحدياتها ولا تزال في محاولاتها الدخول إلى النادي الأوروبي، لكن لو كانت بمستوى التقدم الذي يعيشه أقطاب القارة، وهي المؤهلة بإمكاناتها الجغرافية والبشرية، لربما تغيرت النظرة إليها، وزال شبح الخوف من دخول بلد كبير بملايينه السبعين ذي الغالبية الإسلامية إلى القارة المسيحية.
الدول العربية الكبرى، مثل مصر حاول محمد علي أن يبني فيها نموذجاً لحضارة خليط من العلوم الغربية، والهوية الإسلامية، لكن المحاولة قتلت، ليتلوها تاريخ للاستعمار الجديد، ثم الانقلاب والانغماس في حروب مع إسرائيل، والتسبب في انشطار وحدة بلديء حوض النيل السودان ومصرتلك الوحدة التي تم وضع أساسياتها زمن الانجليز ليكونا الشكل الذي تسعى خلفه بقية الدول العربية والأفريقية.
بلدان الشام مزقها مشروع (سايكس - بيكو) ونشأ العراق في ظل ظروف مشابهة، ولم يكن هناك وحدة بمفهوم صحيح إلا إنشاء المملكة على يد موحدها المغفور له الملك عبدالعزيز، ولأن إمكانات مرحلة التأسيس بسيطة، فإن الدور الآن الذي تلعبه المملكة مع مصر، ربما يؤسس لمرحلة قادمة تكون أكثر إشراقاً، وأكثر تماثلاً لتطلعات شعوب المنطقة.
الوطن العربي بظروفه الحالية يعيش حالة تيه، أي لا توجد نماذج تخرج من صراعات الإقليمية، والفئوية وغيرهما لأن حروبه مع نفسه، ومعاركه مع الخارج أدتا إلى اختراع سلوك القطيعة مع الحضارة المعاصرة، إذ تحول إلى مستورد لكل شيء من الإبرة إلى السلاح، والذي تحول بدلاً من حماية الوطن إلى اقتتال داخلي.
النموذج الحضاري بشروطه التي تستوعب العقل، واحترامه، ليس موجوداً على الخارطة العربية، وبولادة النموذج ربما نصعد الدرجة الأولى في سلم الحضارة.