رغم حدث كوريا الشماليةالذي خطف الأنظار لبعض الوقت، تظل منطقتنا العربية والإسلامية (أو كما يحلو للغزاة أن يسموهاا بالشرق الأوسط)، هي محور اهتمام العالم الغربي ورأس الحربة في مخططاته، ففلسطين في حالة انهيار وتآكل ل«السلطات» بسبب حصاد التجويع من جهة واقتتال الإخوة على حطام السلطة الخاوية أصلاً من جهة أخرى ولا من مجيب، والعراق يتجه إلى مزيد من الضياع والعنف الأعمى رغم اشكال من المقاومة الشريفة من حربية وسياسية وفكرية هنا وهناك بسبب تكالب العدو الخارجي والتابع الداخلي على نهب مقدرات هذا البلد الجريح والنازف دماً وروحاً تحت أنظار القاصي والداني.
ولبنان يتجه بدوره إلى المجهول إذا ما ترك هكذا لقمة سائغة بيد تحالف السفارات والقناصل بوجه اتحاد شعب لبنان الشجاع والعظيم مع مقاومته الشريفة والتاريخية، لاسيما وسيف الفتنة الطائفية والمذهبية والفيدراليات الطائفية مسلط على رقاب الناس. إضافة إلى ذلك كله فإن فهم الجشعين من الامبراطوريين الجدد لا ينتهي عند حد، فهم رغم ضعفهم وهوانهم لا يزالون يلوحون بحروب جديدة من بينها الحرب على إيران وسوريا وما بينهما من ضغوط وإجراءات عقابية هدفها تجويع الشعوب لإجبارها على الإذعان.
والسبب الرئيسي لما يحصل بنا هو تشتتنا وتشرذمنا طرائق عدداً، رغم المعلومات المتواترة التي تصل إلينا جميعاً وبشكل لا لبس فيه بأننا مطلوبون بالترتيب وحسب الأولوية، كمادة دسمة للتقسيم والتجزئة والتفتيت ونهب الثروات والقدرات. ثمة من يُشبه أوضاعنا الراهنة بالأوضاع التي سادت هذه البلاد في أواسط القرن السادس عشر، حيث سقطت الكثير من قلاعنا وأقطارنا وقوانا البحرية والبرية بل وحتى «الحضارية» فريسة الصراعات المذهبية والقبائلية والسياسية،
مما فتح المنطقة كلها أمام الزحف البرتغالي الاستعماري المقبل، بكل عزم لنهب الثروات والسيطرة على المضايق وطرق التجارة متذرعاً بالانتقام للأسبان الذين تضرروا بقوة لغزو العرب والمسلمين لهم، ويقول المؤرخ البرتغالي جواو دو باروس «لقد خص الله البرتغال بنعمة أن كتب لهم أن يغزوا الكفار، وخاصة العرب منهم، عقاباً لهم على خطاياهم، وذلك بعد قرون عديدة لغزوهم أسبانيا وانزال الويلات بها، إلى أن قضت ارادته أن يمارس البرتغاليون حقهم الطبيعي هذا وبالطريقة ذاتها وبحد السيف ليس فقط في الجزيرة العربية ولكن في بلاد فارس أيضاً».
وفي مكان آخر يضيف المؤرخ ذاته «لقد غزا البرتغاليون الفرس وجعلوهم يدفعون الثمن غالياً نتيجة إهانتهم لأسبانيا وبعدما اعتنقوا ديانة أولئك العرب المتخلفين».وبالفعل فقد دفع وقتها العرب والفرس الثمن غالياً أمام الزحف البرتغالي الاستعماري نتيجة انشغال المسلمين بالصراع العثماني ـ الصفوي من جهة، بالإضافة إلى الانشغالات الداخلية في كل إمارة من إمارات المسلمين بالصراعات القبلية والسياسية ومن بينها الصراع السني ـ الشيعي.
اليوم كذلك يحاول الإمبراطوريون الجدد النيل من العرب والمسلمين من نقطة الضعف التاريخية نفسها، ويبذلون قصارى جهدهم لإشغال كل جماعة أو قطر أو مصر أو إمارة بالخلافات الداخلية التي كانت حتى الأمس القريب نائمة أو بالاختلافات المستحدثة مع الإخوة والجيران.
لقد قرأنا جميعاً كيف أنهم يتشدقون بدعم محمود عباس مقابل حماس ـ طبعاً شرط أن يطيح بها من خلال حرب أهلية، وإلا لو كانوا فعلاً صادقين لكانوا قد دعموا الشهيد ياسر عرفات. كما سمعنا كيف أنهم باتوا يرجحون أن يقسم العراق إلى ثلاثة أقاليم كردية وشيعية وسنية بعد أن ظلوا يتشدقون بعراق ديمقراطي تعددي فيدرالي موحد،
وهو الأمر الذي أعلنه جيمس بيكر باسم لجنة تحقيق عينها الكونغرس لإخراج الإدارة المتخبطة من ورطة العراق، وكنا قد سمعنا أيضاً كيف أنهم كانوا ينتظرون «الوليد الديمقراطي الحر» من حرب إسرائيل الدموية ضد لبنان، حتى أنهم سموه بالشرق الأوسط الجديد حتى يميزوه عن العالمين العربي والإسلامي اللذين باتا يشبهان «أوروبا القديمة» التي أعلن كولن باول تضايقه منها غداة حرب بلاده على العراق.
وعشية سفر كوندوليزا الأخير إلى بلادنا فقد سمعنا أيضاً كيف مهد لها مستشارها فيليب زليكوف عندما ألقى محاضرة في معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى، داعياً «المعتدلين العرب» إلى حلف يجمعهم مع إسرائيل والغرب ضد من سماهم بالهدامين والمتطرفين من العرب والمسلمين، فهل بعد ذلك كله نستغرب هذه الحملة الإعلامية والفكرية والثقافية المنظمة ليس فقط ضد المسلمين والعرب، بل وضد الإسلام نفسه، وصولاً إلى شخص الرسول الأكرم محمد بن عبدالله صلى الله عليه وسلم.
صدقوني انه التاريخ الذي يعيد نفسه من جديد ولكن بشكل فكاهي وكوميدي هذه المرة. لماذا؟ لأن اللعبة باتت على المكشوف، وليست بحاجة إلى استغراب أو عجب أو تعجب أو حزن أو تراجيديا، والمثل الشهير يقول: شر البلية ما يُضحك، أليس كذلك؟ نقف مع الشيعة ضد السنة، دعماً للحرية الضائعة، لكن سرعان ما يتم الانقلاب عليهم لأنهم شكلوا ميلشيات قد تهدد الديمقراطية الأميركية،
والعرب ضد الفرس لأنهم نوويون خطرون، ثم نذهب للفرس ونقول لهم: ماذا يجمعكم مع العرب؟ أنتم أصحاب تاريخ وهوية مختلفة، انظروا إلى مصالحكم القومية الخاصة، أليس من الأفضل لكم أن تُحيوا حضارتكم القديمة وتفكوا تحالفكم مع العرب المتعصبين ودينهم الخشن؟!
صدقوني هذا هو ما يحصل في الأروقة والصالونات الخلفية، لا بل صار يسمع علناً في شوارع أكثر من عاصمة وبيوتات ومساجد وحسينيات وتحت رايات شتى وأعلام وبيارق جاهلية أوردنا النذر القليل منها، وجمهور العامة يعرف المزيد، لكن العتب على أهل الحل والعقد فمتى ينهضون وينتفضون ضد «البرتغاليين» الجدد؟
كاتب إيراني