لم يكن السيد عبدالعزيز الحكيم في حاجة لهذه المسرحية التي جمع فيها «نصف» البرلمان العراقي لكي يقرر السير قدماً في تقسيم العراق، في غيبة كل الأطراف الفاعلة ما عدا أنصاره من الشيعة الذين رفضوا الاستماع لكل الأصوات العاقلة بمن فيها صوت مقتدي الصدر الذي رفض قانوناً لا يكتسب أي شرعية ولا يقود إلا للحرب الأهلية،
ولم يكن السيد عبدالعزيز الحكيم في حاجة لهذه المسرحية، فالتقسيم يجري تثبيته على الأرض العراقية منذ أن دخلت قوات الغزو الأميركية ومعها ميليشيات السيد الحكيم، ليس لأن هذه هي رغبة أي طرف وطني في العراق، ولكن لأن هذا هو القرار الأميركي السابق لغزو العراق وتدميره.
ولم يعد جديداً ان نكرر القول بأن الغزو الأميركي للعراق كان أمراً مقرراً منذ بداية تولي بوش للسلطة، وأن الفريق الذي سانده وأوصله للبيت الأبيض كانت لديه الخطط الجاهزة لهذا الغزو الذي لم تكن لأميركا مصلحة حقيقية فيه،وإنما المصلحة كانت لإسرائيل التي كان يهمها تدمير القوة العراقية، ثم لهذا الفريق الذي سيطر على القرار الاميركي والمهووس بأمرين أساسيين في وقت واحد : بناء الإمبراطورية الأميركية وأحد محاورها الرئيسية الاستيلاء على كل منابع النفط.
ثم خرافة ان انتصار إسرائيل وإقامة إسرائيل الكبرى هو شرط لقيامه المسيح التي ينتظرها هذا اليمين الصهيوني في الأميركي الذي كان سوء حظ أميركا والعالم كله ان يدمن شاب على الخمر ثم يعالج ويتوب إلى الله فيصبح واحداً من هذا الفريق الذي يوصله في النهاية لحكم أميركا والعالم فيرتكب كل الكوارث، بما فيها غزو العراق باعتبارها تكليفاً إلهيا اختارته السماء لتنفيذه.
وليس جديداً تكرار القول ان 11سبتمبر لم يكن إلا المناسبة ليبتلع الرأي العام الأميركي الطعم وتذهب جيوش أميركا إلى العراق الذي لم يكن له أي صلة بما حدث. ولكن الجديد هو أن يتأكد -من داخل غرفة العمليات السياسية التي أدارت الحرب - أن الهدف الأميركي من البداية لم يكن احتلال العراق فقط ولا إسقاط صدام وحكم البعث،
وإنما الهدف - ومنذ اللحظة الأولى - كان «تفكيك العراق وتقسيمه». والقائل هذه المرة هو الوزير البريطاني السابق دايفيد بلانكيت أحد اقرب الأصدقاء لرئيس وزراء بريطانيا توني بلير والذي كان في هذه الفترة عضواً في مجلس الحرب المصغر في بريطانيا.
بلانكيت يحاول الدفاع عن بلير، فيقول إنه حاول من خلال تأييده المطلق للرئيس الأميركي ان يلعب دوراً في تعديل بعض مواقف بوش بطريقة غير معلنة ودون محاولة الإساءة للرئيس الأميركي، ويدلل على ذلك بأن إدارة الرئيس بوش كانت على وشك تفكيك العراق وتقسيمه بعد سقوط صدام حسين ولكن مساع حقيقية من حكومة بلير نجحت في إيقاف ذلك،
ولكن هذه المساعي فشلت في إقناع الإدارة الأميركية بإيقاف مخططها للتخلص من الهياكل الأمنية والعسكرية والإدارية وتسريح كل الموظفين في الدولة للتخلص من عناصر حزب البعث فيها، وهكذا تم تفكيك الدولة، ولكن لم يتم تقسيمها كما يقول الوزير البريطاني السابق لا كما يقول الواقع الذي يجسده قرار «نصف» البرلمان العراقي الأخير !
وما ينبغي الوقوف عنده في حديث بلانكيت هو ان قرار «تفكيك الدولة العراقية وتقسيمها» كان هو قرار الإدارة الأميركية من البداية، والسؤال الحقيقي هو: هل تراجعت هذه الإدارة عن قرارها.. أم تراجعت فقط عن إعلان القرار؟ الحقائق على الأرض تقول إن التقسيم أصبح واقعاً يعيشه العراقيون. وأن الإدارة الأميركية اتبعت منذ اليوم الأول لاحتلال العراق نهجاً لا يقود إلا لإغراق البلاد في حرب أهلية لن تكون نهايتها إلا التقسيم،
وعلى هذا الأساس تم ترسيخ المحاصصة الطائفية في كل التشكيلات التي فرضتها الإدارة الأميركية على الشعب العراقي، لينتهي الأمر إلى هذا المشهد الذي تكرس فيه الانقسام الطائفي والتطهير المذهبي والقتل على الهوية، وبينما يتم ترسيخ واقع الانفصال في كردستان العراق التي تتصرف كدولة مستقلة ترفع علمها الخاص
وتمنع دخول العرب إلا بإذن خاص وتجري عمليات الفصل بين الشيعة والسنة في الجنوب على قدم وساق، ويزداد تصميم قيادات الميليشيات المدعومة من أميركا على إقامة كيان شيعي في الجنوب ! وهكذا تسير المخططات نحو«دويلة» كردية تسيطر على بترول الشمال، و«دويلة» شيعية تسيطر على بترول الجنوب وليبقي العرب السنة محاصرين في الوسط ضمن إقليم يفتقر إلى الموارد الطبيعية.
وبالطبع فكردستان في هذه الحالة لا تستطيع العيش إلا بحماية أميركية لأن كل الدول المحيطة وفي مقدمتها تركيا ستقاوم هذا التوجه الذي تخشى أنقرة من تأثيره على مواطنيها الأكراد الذين يمثلون غالبية الشعب الكردي الذي يتناثر أيضا في إيران وسوريا. وهنا تأتى دعوة الرئيس العراقي جلا ل طالباني لإقامة قاعدة أميركية او اثنتين في كردستان العراق وبقاء عشرة آلاف جندي أميركي فيها بعد انسحاب باقي القوات الأميركية بحجة ان هذا هو الذي سيضمن عدم اندلاع الحرب الأهلية في العراق!
أما إقليم الجنوب الشيعي والذي يزداد فيه النفوذ الإيراني، فأمره سيكون مرتبطاً بإنهاء النظام المتشدد في طهران سواء بالتغيير من الداخل، أو بالحرب على خلفية الملف النووي الإيراني. الآن يبدو الأمر في قمة التناقض: فمن وجهة النظر الصهيوني (في أميركا وإسرائيل) فإن الحملة على العراق حققت لهم ما يريدون،تم تدمير العراق ولن يعود ليشكل أي تهديد لإسرائيل، وتم تفكيك الدولة وهي تمضي حثيثاً للحرب الأهلية بين السنة والشيعة.
ولكن من ناحية المصالح الأميركية فإن الأمر هو كارثة حقيقية أنفقت فيها أميركا حتى الآن 300 مليار دولار وعشرات الآلاف من القتلى والجرحى، والعراق الذي كان حائط صد أمام إرهاب «القاعدة» وغيرها من التنظيمات المتطرفة اصبح في ظل الاحتلال الأمريكي مزرعة للتطرف والإرهاب الذي يعرف الجميع انه سيكرر حتماً ما حدث من قبل مع أفغانستان حين انتشر «المجاهدون»بعد انتهاء المهمة في كابول إلى البلاد العربية يعيثون فيها فساداً،
والأسوأ أن العراق الذي كان عامل توازن مع إيران في هذه المنطقة الحساسة لم يعد له وجود، ومهما كان حجم القوات الأميركية والقواعد الأجنبية في المنطقة فإنها لن تعوض هذا الدور. وبعيداً عن حديث المحاور التي ترعاها أميركا لمصلحتها، فإن تحالفاً عربياً خالصاً بين دول الخليج ومصر وسوريا هو أمر ضروري من اجل مواجهة الموقف الذي يزداد خطورة يوما بعد يوم، ومع الوضع في الاعتبار تأثير إعلان كوريا الشمالية عن تفجير قنبلتها النووية في دفع الولايات المتحدة لسرعة حسم الموقف مع إيران.. فهل نتحرك لمواجهة الموقف أم سنظل كالعادة في دائرة رد الفعل لندفع وحدنا الثمن الذي نعرف جميعا كم سيكون فادحاً هذه المرة ؟!
نقيب الصحافيين المصريين