الحديث عن الخلط بين السياسة والأدب، عادة ما يثار في اعقاب الإعلان عن جائزة نوبل للآداب التي نالها هذه المرة الكاتب التركي اورهان باموك الذي انتقد دور بلاده في نقطة خلافية تتمحور حول تعرض الأرمن لإبادة جماعية. باموك البالغ من العمر (54 عاما) والذي برأه القضاء التركي العام الماضي من تهمة اهانة الأمة التركية اثر ملاحظاته بشأن مذبحة الأرمن التي جرت قبل نحو قرن، تعرض لتهديدات بالقتل ،وصدر امر في احد اقاليم غرب تركيا بإحراق كتبه، لكن الأمر لم ينفذ بضغوط من الحكومة التركية خشية تشويه صورتها في الخارج.

فوز باموك بجائزة نوبل لعام 2006 والذي جاء الإعلان عنه في اليوم ذاته لإقرار الجمعية الوطنية الفرنسية قانونا يجرم إنكار تعرض الأرمن لمذبحة على يد الأتراك العثمانيين، ألقى بظلال السياسة على الجائزة التي قال القائمون عليها انها ذهبت الى باموك لأنه «اكتشف رموزا جديدة لصراع الثقافات وامتزاجها».

تركيا التي ترفض المزاعم بقتل الأرمن وضعت في حرج بالغ بفوز احد أبنائها بجائزة مهمة بحجم نوبل، فهي وجدت نفسها بين فكي الاحتجاج او الترحيب، والأمران كلاهما مر، خاصة ان انقرة تضع عينيها على البوابة الأوروبية التي طال انتظار عبورها. وربما كان الأدباء الأتراك أكثر تحررا من القيود التي تكبل الحكومات في هذا الشأن حيث سارع العديد منهم الى إبداء فرحته وتهنئة زميلهم بفوزه بجائزة نوبل،

مؤكدين انه جدير بنوبل للآداب التي يحصل عليها كأول كاتب تركي منذ أنشاء الجائزة في عام 1901. غير ان ذلك لا ينفي ان فوز باموك بنوبل للآداب أجج الجدل المحتدم اصلاً في تركيا بشأن مذابح الأرمن التي ارتكبت خلال الأيام الأخيرة من عمر الإمبراطورية العثمانية.

وما يثير الجدل أيضا ان باموك رفض في العام 1998 قبول لقب فنان دولة باعتباره الكاتب الأول في تركيا مع تسجيل كتبه مبيعات قياسية وانتشارا واسعا.وهو ما يفسر لماذا حاول بيان لجنة منح الجائزة التأكيد على ان باموك «معروف في بلاده ككاتب معارض، رغم انه يعتبر نفسه روائيا مجردا من اي نوايا سياسية»، وقول البيان ان «باموك معروف بسبب موهبته الإبداعية الأدبية والقدرة على التعاطي مع موضوع الهويات وازدواجية الوجوه».

الشكوك التي تثار من وقت لآخر بشأن النوايا السياسية في منح الجائزة الأهم في الآداب ، كانت ايضا سببا في اللغط الذي صاحب فوز أديبنا الراحل نجيب محفوظ بها عام 1988، وكانت سببا كذلك في إعلان مؤسسة نوبل أنها لن تسحب الجائزة الممنوحة للكاتب الألماني غونتر غراس عام 1999، بعد كشفه أخيرا أنه كان منخرطا في وحدة «فافن إس إس» النازية في نهاية الحرب العالمية الثانية ،وكان يومها في السابعة عشرة من عمره.

الرائحة السياسية في منح نوبل للآداب لا تلغي قيمة الكتّاب الحاصلين عليها، غير ان توقيت منحها يبعث على التساؤل فتاريخ الأدب التركي او العربي وحتى في العديد من الثقافات الأخرى، حافل بأسماء تستحق اكبر الجوائز، غير ان اختيار هذا الكاتب او ذاك في وقت معين يوحي بالصبغة السياسية أحيانا، ويفتح باب التشكيك في أسباب منحها وهل تقف عند قيمة الكاتب ام في الأمر أغراض أخرى.

وعلى سبيل المثال لم يحصل الشاعر والمناضل التركي الشهير ناظم حكمت على نوبل في حياته، لأنه كان منخرطا في إعلان انحيازه الى المعسكر السوفييتي رغم قيمة أعماله الشعرية في لغته.لا نود الانجرار الى اتهامات بالغرض السياسي، غير ان المؤشرات التي ترافق منح جائزة نوبل للآداب، تفتح أبوابا للشك وربما عدم الرضى لدى البعض وهذا حقهم.

كل ذلك لا يمنع ان فوز باموك بنوبل هذا العام وضعه في قائمة العظماء كل في لغته وثقافته وهو ما يشكل فرصة لأصحاب الثقافات الأخرى لإلقاء نظرة متمعنة على أعماله التي ترجمت الى أكثر من عشرين لغة باعتبارها تجسيد لآمال وطموحات المجتمع التركي كجزء من الجماعة الإنسانية.