كلما تطاول أمد المماطلة الأوروبية بشأن طلب تركيا الانضمام إلى عضوية «الاتحاد الأوروبي» كلما ازداد وتوسع استشعار الأتراك لهويتهم الأصلية كشعب مسلم.على المستويين الشعبي والحكومي تترسخ الآن قناعة لدى الأتراك بأن الأوروبيين ـ أيضا على المستويين الحكومي والشعبي ـ يرفضون تماما فكرة أن تركيا الإسلامية تنتمي إلى الأسرة الأوروبية المسيحية ولكن انطلاقاً من هذه القناعة يعيد الأتراك اكتشاف هويتهم بعد أكثر من 80 عاما من التغريب الأتاتوركي العلماني.

على مدى الأسابيع الأخيرة توقفت وسائل الإعلام الغربية عند حقيقة رقمية مفادها أن التأييد التركي لدخول تركيا عضوية الاتحاد الأوروبي هبط من نسبة 73 في المئة في عام 2004 إلى 54 في المئة في عام 2006 الجاري، فماذا جرى خلال هذه الفترة القصيرة؟

لقد تدهورت علاقة تركيا مع الاتحاد الأوروبي منذ أواخر عام 2004 عندما قرر الاتحاد الشروع في مفاوضات انضمام تركيا، فمنذ ذلك الحين وحتى اليوم لا يكف القادة الأوروبيون عن إطلاق تصريحات سالبة تنطوي على تشكيك ومماطلة، والإشارات الأوروبية السالبة لا يخفى مدلولها ومغزاها حتى على رجل الشارع في تركيا فضلا عن الطبقة الحاكمة.

فقد قبلت عضوية دول في أوروبا الشرقية دون جدل أو مماطلة. وقبلها انضمت إلى عضوية الاتحاد دون مشكلة حكومة القسم اليوناني المسيحي في جزيرة قبرص دون ان يسمح للقسم التركي المسلم بالانضمام.وأخيرا وليس آخراً تأتي الضجة الفرنسية المفتعلة بشأن «مذبحة الأرض» وتقديم مشروع قانون إلى البرلمان الفرنسي ينص على تجريم كل من ينكر هذه الواقعة،

وبالطبع فان مشروع القانون موجه ضد تركيا من أجل دفعها بجريمة يزعم أنها ارتكبت بواسطة الدولة العثمانية التركية قرب نهاية الحرب العالمية الأولى.ومما لاشك فيه الآن ان العلاقة بين تركيا والاتحاد الأوروبي دخلت مرحلة أزمة ومما يضيف إلى هذه الأزمة ويعقدها على صعيد مواز تدهور العلاقة بين تركيا والولايات المتحدة.

على هذا الصعيد انبثقت الأزمة من الغزو الأميركي للعراق في عام 2003، ومن الوهلة الأولى عارضت تركيا هذه الحرب ووضعت معارضتها موضع التطبيق عندما رفض البرلمان التركي طلبا أميركيا للهجوم على العراق من الشمال، وكانت الحكومة التركية تخشى من ان الإطاحة بنظام صدام حسين على ايدي الغزاة الأميركيين سوف تؤدي إلى تقوية أكراد العراق في الشمال مما قد يمهد لقيام تحالف بين الأقلية الكردية العراقية والأقلية الكردية التركية.

وهذا ما تحقق بالفعل، وأكثر من ذلك ان الولايات المتحدة تماطل حتى الآن في التجاوب مع طلب من أنقرة لكسر شوكة الاكراد الأتراك اما بواسطة العقوبات الأميركية أو ان تسمح واشنطن للجيش التركي بتولي المهمة.وهكذا ومع استمرار تدهور العلاقة التركية مع الغرب بشقيه الأوروبي والأميركي يفيد المحللون الغربيون بأن تركيا أخذت الآن تراجع توجهات سياستها الخارجية، وهي مراجعة تقوم على نسج علاقة تقارب استراتيجي مع كل من إيران وروسيا ولننظر لنرى ما تأتي به الأيام.