الأزمة الداخلية المستحكمة بالساحة الفلسطينية، منذ مطلع العام الجاري، تشهد قفزات متسارعة باتجاه توسيع دائرة التفجير وربما، إذا ما بقيت الأمور، على حالها المتدهور، باتجاه نسف الجسور وبلوغ نقطة اللاعودة بين أطرافها. نارها مشتعلة، كما لم يسبق لها من قبل. ودخلت كل من واشنطن وإسرائيل، بصورة مكشوفة لصبّ الزيت على هذه النار. العلاقات بين «فتح» و«حماس» تقترب من حافة الانهيار.
الوضع يعيش حالة غليان. الخطاب تسوده مفردات التحدي وكسر العظم. والتحريض البرّاني، على الحسم، يحصل بصورة مكشوفة. كل ذلك في ظل حالة حصار مضروب على الشعب الفلسطيني، وأجواء احتقان بلغ مداه، فضلاً عن تهديد إسرائيلي باجتياح غزة من جديد.
في ظل هذه الأجواء يبدو أن حكومة الوحدة الوطنية صارت في خبر كان. رئيس السلطة ورئيس الحكومة يتحاوران بالواسطة. اللغة الوحيدة المتداولة بين الفريقين، مستقاة من قاموس الاتهامات المتبادلة. وبعضها يتم التراشق به لأول مرة. وهي من العيار الذي يشي بأن المتراشقين ربما شطبوا من حساباتهم وجوب الحفاظ على خط رجعة، ولو ضيّق.
حرب الميكروفونات بينهما تدور بذخيرة الحديث عن «تواطؤ» وتآمر وتهمة «الانقلاب»، فضلاً عن تعابير ونعوت مثل «الفاشي» و«الإرهابي». كل هذا يحصل فيما إسرائيل تواصل حملة الاغتيالات والمجازر التي حصدت 13 فلسطينياً وعشرات الجرحى، في غضون ال24 ساعة الأخيرة. والمفجع أكثر أنه في الوقت ذاته يتوالى سقوط القتلى بين «فتح» و«حماس».
أمس قتيل و50 جريحاً في اشتباكات بينهما. وقبله بيوم قتيلان، من الطرفين، أعقبه حدوث عمليات خطف متبادلة، ثم هجوم على مقر اتحاد العمال الفلسطيني وحرقه... وكأنها وجبة المقدمات التي تهدد بالأسوأ. لاسيما وأن خطوط الاتصال، بين الجانبين، مقطوعة، وأن واشنطن تحضّ على المزيد من قطعها، عبر ما تردد عن مخصصات بقيمة 42 مليون دولار إلى السلطة من أجل تمكينها من مواجهة «حماس» وإقالة حكومتها!.
وبذلك تكتمل عناصر التصعيد المفتوح على التدمير الذاتي. فالدخول الأميركي على الأزمة بهذه الطريقة، مع تزايد التباعد والتنابذ، الذي بدأ يأخذ ترجماته بمواجهات يومية وسقوط قتلى، بين الفريقين، كله ينذر بتطورات دراماتيكية على الساحة الفلسطينية لا تطول فقط المعنيين مباشرة بها بل أيضاً وأساساً القضية في صميمها.
الشعب الفلسطيني الواقع بين مطرقة العدوان الإسرائيلي وسندان التصعيد المسلح الداخلي، لا يستحق أن يجد نفسه، بعد كل ما قدمه من تضحيات وصمود وكل ما يختزنه من طاقات واستعداد لمواجهة الاحتلال، في هذه الوضعية المؤلمة والمربكة، بما يفوق قدراته فهو لا شك يفهم ويتوقع أن يناله السوء والضيم والتنكيل من العدو الإسرائيلي المحتل،
كما يتوقع، تأسيساً على التجارب المريرة ألا يلقى غير التحريض على مصالحه، من جانب واشنطن، لكن من حقه ألا يتوقع، بل أن يدين التدهور إلى هذا الحد في جبهته الداخلية.الوضع الفلسطيني يزحف نحو دائرة الخطر الداخلي الأحمر. وهو زحف غير مقدس: التحذير على مدخل هذا الطريق واضح: ممنوع الدخول، خطر الموت. القرار بيد القيادات، والتاريخ لن يغفر، إذا لم يتخذ القرار السليم.