التقيت خلال واحدة من زياراتي المعتادة للمجالس الرمضانية الأسبوع الماضي النائب البرلماني العراقي الزائر السيد محمد الغريفي، وهو رجل واسع النفوذ كان قد ساهم في صياغة مسودة الدستور العراقي الجديد. وفي أثناء ما دار بيننا من حديث اتهم السيد الغريفي العرب بموالاة صدام،

وزعم أن غالبية شبكات التلفزة العربية مازالت وحتى اليوم تصِم رموز الحكومة العراقية بأنهم متواطئون مع إيران. ما كان من الممكن لي أن أدخل في نقاش مستفيض حول الموضوع في ذلك المجلس، وهو ما حدا ببعض الزملاء على سؤالي: لماذا لم أتصد لمقولات الرجل؟ والواقع أنني أعتقد أن المجالس الرمضانية ليست المكان الملائم لإجراء نقاشات متعمقة، وإنما هي فرصة لتبادل الآراء العامة.

وبعد أن قلت ذلك سأحاول الآن جهدي أن أوضح المستوى الذي وصل إليه التواطؤ بين العديد من المجموعات العراقية وإيران. والمعلومات التي أوردها هي معلومات موثقة جمعتها مؤسسة «نايت ريدر« الإعلامية المرموقة. يقول مسئولون عراقيون وبريطانيون كبار: إن مدينة البصرة بجنوب العراق كانت تعتبر ومنذ فترة طويلة منطقة هادئة، وهي من أول المناطق التي أعيدت إلى السيطرة العراقية.

ولكن الحقيقة أن المنطقة أصبحت تهيمن عليها الآن ميليشيات تعمل على تمهيد الأرض لقيام حكومة إسلامية أصولية. ويبدو أن هذه الميليشيات تحظى بدعم المخابرات الإيرانية وبعض الوحدات المسلحة، بل إن بعض المسئولين البريطانيين يعتقدون أن الإيرانيين حريصون على تسريع انسحاب قوات التحالف التي تدعمها الولايات المتحدة لتمهيد الطريق لسيطرة مجموعات رجال الدين الموالية لإيران.

ويضيف التقرير أن النفوذ الإيراني بات واضحا للعيان في كل أنحاء المنطقة، ويورد أن مسئولا في أحد المكاتب الحكومية اقترب من مراسل «نايت ريدر« وقال معتقدا بالخطأ أنه إيراني: «لا تخش التحدث بالفارسية في البصرة.. فنحن فرع من إيران«. ويشتبه المسئولون البريطانيون في أن الصاروخ الذي أسقط طائرة الهليكوبتر البريطانية في يوم 8 مايو الماضي مصدره إيران.

وفي هذا الصدد يقول الميجور روبرت يويل وهو ضابط بريطاني يعمل في منطقة البصرة: «كانت لدينا تقارير مخابرات تفيد بأن خمسة أنظمة صواريخ أرض - جو قد تم إدخالها من إيران قبل سبعة أيام فقط من حادث إسقاط الطائرة«. والواقع أن كثيرين من المسئولين العراقيين مثل عليان جابر، وهو وزير داخلية سابق، لديهم علاقات وثيقة مع جيش بدر، وهو تنظيم مدعوم من إيران يمثل الذراع العسكرية للمجلس الأعلى للثورة الإسلامية في العراق، أحد أقوى الأحزاب السياسية في البلاد.

والعراقي الذي يعتقد أن إيران ليس لديها خطط للسيطرة سياسيا واقتصاديا على العراق لابد أن يكون ساذجا، فالعراق يملك ثاني أكبر احتياطي نفطي بعد المملكة العربية السعودية، ومن شأن أي تكتل نفطي إيراني - عراقي أن يسيطر على نحو 20 في المائة من جملة الاحتياطي العالمي من النفط. ومذهب إيران الديني هو أعظم ما تملك من أصول، وهي تستطيع أن تسوقه في أي مكان تجد فيه آذانا تسمع وقلوبا تؤمن.

وقد وصل الحال إلى حد أصبحت معه أوراق النقد الإيرانية هي العملة المتداولة في المناطق الجنوبية من العراق. ويستطيع أي مراقب سياسي أن يرى أن الحركة الثقافية الإيرانية التي خمدت جذوتها في أيامها الأولى يمكن أن تنتعش الآن مجددا باعتبار أن العراق يشكل تربة خصبة للتجربة لتحقيق أحلام إيران وإعلاء صورتها التي باتت تحظى بالفعل بتقدير كبير في لبنان، بفضل قدرة حزب الله على نشر الثقافة الثورية الإيرانية - حتى دمشق - مع الأخذ في الاعتبار أن سوريا ليس لها صديق يمكن أن تلجأ إليه باستثناء إيران.

وبناء عليه يمكن للمرء أن يتساءل: من هي الدولة التالية؟. سوف يصر الكثيرون على أن إيران ليس لها وجود أيا كان في العراق، وسيحاول آخرون أكثر إدراكا لنوايا إيران الحقيقية تغليف هذه النوايا بعبارات سياسية طنانة وغير مفهومة. لقد كان الكاتب الكبير جورج أورويل محقا تماما عندما قال: «إن العدو الأول للوضوح في اللغة هو النفاق. وعندما يكون هناك خلاف بين نوايا المرء الحقيقية وأهدافه المعلنة، يميل بالغريزة إلى استخدام العبارات الرنانة والمصطلحات المستهلكة للتمويه، مثله في ذلك مثل سمك الحبار حين يعمد إلى رش الحبر«.

أنور عبدالرحمن