الحديث عن تقسيم العراق، انتقل هذه الايام من طور «الفرضية» التي كان يُفزع بها أعداء العراق «الجديد»، العراقيين وغير العراقيين ويخيفونهم من خلالها، الى طور «الامكانية» التي لا يستنكف الخطاب الرسمي الامريكي ذاته من إلقائها، كما لمّح الى ذلك الرئيس جورج بوش، معلّقا على قول وزير الخارجية الاسبق جيمس بيكر الذي يشارك في رئاسة لجنة مستقلة لدراسة مستقبل العراق، عندما أكّد ـ أي بوش ـ أن هناك بدائل عن «الثبات» على الطريق والانسحاب المتعجل من العراق، أبرزها اللجوء الى تقسيم العراق الى ثلاث مناطق فيدرالية تتمتع بحكم ذاتي موسّع.

إبّان احتلال العراق بل وحتى قبل الاحتلال بسنوات تردّدت امكانية تقسيم العراق، انطلاقا من سيناريوهات صادرة عن مراكز دراسات أغلبها أمريكية وغربية ركّزت على حمل العراق ذاتهوفي حقائقه الديمغرافية والجغرافية والدينية لأسباب التقسيم، وهذا معناه أن العراق بطبعه قابل للانشطار، فإذا ما انضافت الى هذه الحقيقة استحالة التعايش بين مكوّناته العرقية والطائفية والدينية تلحّ وقتها مسألة التقسيم أكثر فأكثر، وتدنو بما يختصر المسافات الزمنية لها.

كان هذا الذي ورد هو ما يعكس الحقائق الكامنة في العراق، لكن تقسيمه وعلى الرغم من ذلك كان مستبعدا واقعيّا، لما فيه من دلالات على فشل للمشروع الامريكي، ولما فيه من انعكاسات منفلتة (خصوصا على المستوى الامني الاقليمي) لا تخدم عدّة أطراف خصوصا تلك الحليفة للولايات المتحدة على غرار تركيا ودول الخليج. ولعلّه انطلاقا من هذين المعطيين، نام «العقل» السياسي العربي في العسل، ظانّا وبعض الظنّ إثم، أنهما يمثّلان تحصينا لاتكاله الدائم على متغيّرات يراها ثوابت.

ومن هذه المتغيرات ان مفهومي النجاح والفشل في العراق وفي المنطقة العربية ككل لا يخضعان لنمطية يمكن لها ان تجعل من السياسة الامريكية أسيرة لحالة واحدة لا تتغيّر أو سجينة لوضع يمكن ابتزازها من خلاله، كترديد أنه ما دامت تركيا ضد وجود دولة كردية فإن هذه الحقيقة بامكانها ولوحدها ضمان عدم تقسيم العراق!

إن السياسة الامريكية أشمل بكثير من هذا، وأقدر بكثير من أن تعيقها أشياء تبدو ثانوية أمام الاولويات التي تخص «انجاح» المشروع الامريكي في العراق، خصوصا إذا كانت عدّة اطراف عراقية قد وصلت الى نتائج تصبّ في اتجاه انجاح المشروع عبر التقسيم، وهي أطراف متنوّعة منها حتى ضحايا العنف الطائفي وليس جلاّديهم فقط ومنها قوى مؤثرة في البرلمان وفي الحكومة بل ورئاسة العراق.

ومع ذلك فإنه لا شيء يدلّ الآن أن قرار التقسيم قد وقع اتخاذه، ولكن كل شيء يشير إلى أنه بدأ يطرح كبديل قد يتطوّر الى حقيقة لا مفرّ منها والى واقع قد يضمن نجاح المشروع الامريكي على المدى الطويل وبعد أن يكون معنى نجاحه أصلا قد تغيّر. ووقتها سيثبت أيضا أن نظرية «المؤامرة» ذاتها ليست بكل هذا الجهل الذي توصف به!

عبد الرؤوف المقدمي