في الوقت الذي تتزايد فيه حدة ونطاق الخلافات الفلسطينية، خاصة بين حركتي فتح وحماس وما يترافق مع ذلك من ممارسات مرفوضة فلسطينيا وعربيا لما يترتب عليها من مخاطر تمس اللحمة الفلسطينية والدم الفلسطيني، وهو ما تجدد امس للأسف، فانه لم يكن غريبا او مفاجئا ان تعمد اسرائيل الى التصعيد المتعمد لممارساتها العدوانية ضد ابناء الشعب الفلسطيني في الضفة الغربية وقطاع غزة المحتلين.

واذا كانت الاحتكاكات المسلحة بين المسلحين الفلسطينيين التابعين لهذا الفصيل او ذاك وكذلك حدوث عمليات اغتيال غامضة لشخصيات محددة وتخريب بعض المؤسسات الفلسطينية بما في ذلك بعض وسائل الاعلام وغيرها من شأنها ان تهيئ المجال لمزيد من الاستقطاب والتوتر داخل الشارع الفلسطيني، خاصة مع ما يترافق مع ذلك من تبادل للاتهامات وتصعيد للانتقادات المتبادلة بين المسؤولين في فتح وحماس وهو امر مؤسف،

فان هذه الظروف كلها تمنح اسرائيل الفرصة كاملة وواسعة ليس فقط لتنفيذ مخططاتها لضرب الوحدة الوطنية الفلسطينية وعرقلة محاولات وجهود التقارب بين فتح وحماس ولكن ايضا لزرع المزيد من الشكوك وتعميق فقدان الثقة بين اكبر حركتين فلسطينيتين حتى ولو تطلب ذلك قيام الاجهزة الاسرائيلية بتنفيذ عمليات اغتيال ضد كل من حركتي فتح وحماس في نفس الوقت لزيادة حدة التوتر بينهما وهو ما يتطلب الكثير من اليقظة والوعي وعدم الانجرار وراء ردود الفعل الفورية او عوامل التحريض على هذا الجانب او ذاك.

ومع التأكيد على ان اسرائيل لا تريد ان ترى حكومة وحدة وطنية فلسطينية، كما انها تعمل من اجل استمرار الخلافات الفلسطينية الداخلية لأطول فترة ممكنة واستغلال ذلك لمواصلة تنفيذ مخططاتها خاصة في القدس وبعض المناطق الفلسطينية الاخرى التي لا تريد الجلاء عنها ضمن اية تسوية محتملة،

لذلك تأتي عمليات التصعيد الاسرائيلية المحسوبة في هذا الاطار مع محاولة استغلال اي صاروخ او حتى طلقة رصاص تطلق من الاراضي الفلسطينية تجاه المستوطنات الاسرائيلية لتبرير عملياتها العدوانية وعمليات الاغتيال وهدم المنازل واجتياح المخيمات واحداث المزيد من الخسائر في الارواح والممتلكات الفلسطينية.ولكن السؤال هو هل تحقق هذه الممارسات وعمليات التصعيد هذه الاهداف الاسرائيلية ؟

ومع ان اسرائيل وحكومة اولمرت قد تتصور انها بذلك تسير نحو الدفع بالفلسطينيين الى الزاوية او امكانية القبول بما تريد، الا ان الواقع هو انه رغم المعاناة الفلسطينية اليومية الاقتصادية والاجتماعية فان الفلسطينيين ابعد ما يكونون عن التسليم بالمطالب الاسرائيلية،

ولذا فانه من المهم والضروري ان تقلع اسرائيل عن هذه الاساليب التي اثبتت فشلها في التعامل مع الفلسطينيين وان تبحث بدلا من ذلك عن اساليب ووسائل تسهم بشكل حقيقي وجاد في اعادة الهدوء وتخفيف حدة التوتر في الاراضي الفلسطينية كخطوة للتمهيد لاعادة تحريك عملية السلام مرة اخرى. ولكن المشكلة ان اسرائيل لاتريد السلام لا مع الفلسطينيين ولا مع سورياوهو ما تؤكده العديد من التصريحات الاسرائيلية.

اما الحديث عن الالتزام الشخصي باقامة الدولة الفلسطينية فان الاحداث اثبتت خلال السنوات الماضية ان قضايا بهذا الحجم تحتاج الى سياسات وخطوات عملية محددة ومن الجانب الدولي الاعظم في عالم اليوم اكثر مما تحتاج الى التزامات شخصية فات اوان تحقيق بعضها منذ اكثر من عام.

ومع ذلك فان تصريحات وزيرة الخارجية الامريكية الطيبة حول التزامها الشخصي باقامة الدولة الفلسطينية تتطلب على الاقل الضغط على اسرائيل لوقف اعمالها التعسفية الخارجة على كل القوانين والمنتهكة لقرارات الامم المتحدة والمواثيق الدولية. نعم طالبت رايس اسرائيل خلال جولتها الاخيرة في المنطقة بتسهيل الحياة للفلسطينيين وتخفيف القيود المفروضة عليهم، ولكن ما حدث في الايام الاخيرة يسير في عكس ذلك تماما وسيحمل بالضرورة نتائج عكسية لكل ما تريده اسرائيل فهل ستتدخل واشنطن بشكل اكبر لانقاذ الوضع في الاراضي المحتلة ؟