أحاديث الرئيس المصري حسني مبارك تحفز دائما على المناقشة, وتدخل المرء في حالة متفاوتة تتصل بتحديد ماهية الأولويات المصرية. فهذه الأحاديث للرئيس مبارك ترى أحيانا من زاوية مصرية اعتيادية مستطردة منذ قيام ثورة يوليو حتى الآن, لكنها في جوهرها أصبحت, بل تحولت إلى أحاديث مصرية, وهي الأحاديث التي يجب المواظبة على تلاوتها, لأن عهود الرئيس مبارك ليست في صلب إنتاج المشكلات الداخلية, وبالتالي ليست بحاجة إلى عمليات إلهاء خارجية تقلب سلم الأولويات فيما يختص بالداخل والخارج, وفيما يتعلق بأولوية الشأن الوطني المصري على الشأن العربي العام.
حديثه الأخير لجريدة »القوات المسلحة« بمناسبة مرور 33 سنة على حرب أكتوبر ضد إسرائيل رجح الشأن الوطني الداخلي على ما سواه من شؤون, ولم يكن بالتالي حديثاً تعبوياً يتسم بالصوت العالي لزوم إشاعة الحماسة وصرف النظر عن المشكلات الحقيقية. نحن مع الرئيس مبارك حين يبدي مخاوفه من غياب عملية السلام, ومعه في الابتعاد عن الترويج إلى شرق أوسط جديد أو كبير, ومعه أكثر
وأكثر حين يبشر بأن الاقتصاد المصري اجتاز سنوات تباطؤ النمو واستعاد عافيته وقدرته... إن عودة الرئيس مبارك إلى أولوية الاقتصاد هي الفاصل المهم في حديث الرئاسة حيث يمثل الاقتصاد, نمواً أو تراجعاً, المرآة الحقيقية لاداء آلة الحكم ولفعاليتها فيما يختص بالشؤون الحياتية للناس.
دائما كان الانهماك في القضايا القومية الخارجية يشكل مصدر تعب للنظام المصري, ولمصر كلها, فالقضية الفلسطينية أتعبت مصر والمصريين, وكذلك قضايا الحرب والسلام في المنطقة, والحروب الصغيرة الخاطفة التي تشنها إسرائيل على اللبنانيين والفلسطينيين في آن معاً... الانشغال بالخارج أنهك مصر وصرفها عن الاهتمام بأوضاعها ومشكلاتها, والعناية باقتصادها وتطويره وتأهيله ليشكل مصدر كفاية للعمالة الوطنية, ودرعاً يقي البلد من نزيف الهجرة البشرية إلى الخارج طلباً للقمة العيش...
المهم هو هذا الاقتصاد المصري الذي لا يجب أن تنشغل عنه الحكومات بحروب الطواحين والتجارة بالوهم والترويج لشعارات غريبة عن الاحتياجات المصرية. في علوم الإدارة الحديثة انتهى الجدل البحثي إلى نتيجة نهائية تقول أن لا دولة في العالم تستطيع أن تكون قوية وذات تأثير في الخارج قبل أن تكون قوية اقتصادياً في الداخل, ومعيار القوة هنا هو الاقتصاد القوي.
فهل أصبح الاقتصاد قوياً أو اجتاز تباطؤ النمو كما قال الرئيس مبارك? ما نسمعه أثناء الحملات الانتخابية أن هناك مشكلات عديدة تستبد بالشعب المصري, وكلها تتعلق بندرة فرص العمل, وبصعوبة توفر رغيف الخبز وبكثرة القضايا الاقتصادية حيث لا يزال الكثير منها خارج نطاق الحل. والرئيس مبارك يعرف, كما نعرف نحن, أن المنغصات ما زالت تواجه المستثمر المحلي والأجنبي, ويعرف مثلنا المنغصات المصرفية التي تعيق مجرى القروض الاستثمارية والصناعية,
وتقفل قنوات التمويل على الكثير من المشاريع الكبيرة, ويعرف أن هناك منغصات إدارية, هذه الجهة توافق وهذه ترفض, ويعرف أن هناك روتينا يقتل النفس قبل أن يرهق المعاملات... هذه المنغصات هي التي تحول حتى دون قيام اقتصاد قادر على النهوض بالاحتياجات المحلية, وعلى توفير فرص العمل, وعلى الوقوف إلى جانب الدولة ومساعدتها على بناء حياة الرفاه للمواطن المصري.
ما المطلوب الآن?
المطلوب قيام عمليات إصلاح كاسحة, تشريعية بالدرجة الأولى, تضع مصائر المشاريع الكبرى والبت بها في يد الرئاسة مباشرة, كما هو الحاصل في المغرب وفي دبي, هي التي توافق عليها وهي التي تملك الملاحظات عليها, على الأقل من أجل إيقاف الكلام الذي يدور حول قضايا كبيرة من هذا النوع, كالقول هذا قبض, وذاك انتفع وإلى ما هنالك من أقاويل فاسدة وضارة.
المهم في أحاديث الرئيس مبارك أنها بدأت تنشغل بالهم المصري الداخلي, والذي من الصعب على مصر أن تنهض من دون أن تخفف من أوزانه, خصوصاً وأنه هم اقتصادي بالدرجة الأولى.
احمد الجارالله