دخلت أزمة الهوية السياسية في العراق منعطفا خطيرا مع إقرار البرلمان العراقي لقانون تقسيم العراق إلى أقاليم ثلاثة ، وهو القانون الذي قد يؤدي في نهاية الأمر إلى التجزئة السياسية والأمنية والدستورية للعراق وهو خطر شديد على وحدة الدولة العراقية.
وبالرغم من سيطرة الإتجاهات الإنفصالية على البرلمان العراقي فإن القانون الذي قدمه الإئتلاف العراقي الموحد (التنظيمات الشيعية باستثناء تنظيم الصدر) والتحالف الكردستاني لم يحظ إلا بأصوات 138 نائبا من أصل 275 وهي النسبة الأقل (النصف زائد واحد) التي يمكنها إقرار قانون ، وهو يعني وجود انقسام كبير في صفوف البرلمان العراقي ووجود حالة رفض حقيقية من كل القوى السياسية العراقية باستثناء التحالف الشيعي والكردي المسيطر إحصائيا على السياسة العراقية.
ومما يزيد في خطورة القانون أن يتم إقراره في وقت يشهد أسوأ انواع التمزق الطائفي في العراق وكأن هذا القانون جاء ليساعد أصحاب الأفكار والطروحات الطائفية في تحقيق ما يريدونه سياسيا وتشريعيا بالإضافة إلى اسلوب العنف.
وبعد مرور أسوأ 4 اشهر في الحرب الطائفية في العراق والتهجير اليومي لآلاف العراقيين داخل بلدهم في عملية "تطهير طائفي" واضحة وبضغوطات خارجية وتواطؤ داخلي ، يأتي هذا القانون ليضع المزيد من الشكوك حول قدرة الدولة العراقية على البقاء موحدة.
وقد وصل تزايد خطورة الصراعات الطائفية في العراق إلى حالة لا يمكن السكوت عليها مع وجود 100 قتيل يوميا ، وقد قامت منظمات حقوق الإنسان الدولية بتوثيق بعض هذه الجرائم ، لكن لا تزال القيادات السياسية العراقية ووزارتا الدفاع والداخلية تتعاملان بالكثير من اللامبالاة تجاه العنف الطائفي وطغيان سيطرة الميليشيات إلى حد أصبح فيه من الطبيعي الاعتقاد بوجود تقاسم أدوار ما بين الميليشيات وبعض الأطراف في الحكومة.
وعلى كل فإن مبادرة مقتدى الصدر يوم أمس وتهديده أنصاره بالتبرؤ منهم في حال استمروا في تنفيذ جرائم ضد العراقيين السنة قد تعطي بعض النتائج ، وإن كان بعض المتابعين للشأن العراقي يعتقدون بأن مقتدى الصدر نفسه قد فقد السيطرة على الميليشيات التابعة له والتي تستمع إلى أصوات أشد تأثيرا من خارج العراق.
وكما كشفت العديد من التقارير الإعلامية والكتب في الأسابيع الماضية فإن إدارة شؤون العراق تحت الاحتلال الأميركي لم تكن إلا سلسلة طويلة من الأخطاء أدت إلى هذا الوضع المؤسف من إنعدام الأمن والحرية والموارد في العراق وانتشار الجرائم والقتل الطائفي.
ومن الواضح أن قرار تقسيم العراق إلى أقاليم هو إضافة نوعية جديدة في سلسلة الأخطاء هذه ، وهو لن يساهم في تقوية الحكومة المركزية أو المساهمة في تقوية الإحساس بوحدة الدولة العراقية بل زيادة سيطرة المشاعر الطائفية سواء من الفئات التي تعتقد أنها كسبت في هذا القانون وحققت أهدافها أو الفئات التي تحس بأنها خسرت الكثير.
سوف يكون هذا القانون وبكل اسف أداة تشريعية لإعطاء "دستورية" لوضع التقسيم والتمزق الطائفي الذي يدمر العراق حاليا والمزيد من الحجج السياسية لأنصار العنف والتفرقة وإضعافا كبيرا للقوى الوطنية العراقية التي لا زالت تجهد في البحث عن بديل ديمقراطي مدني وحدوي يحفظ العراق موحدا وينقذه من مستقبل مظلم يرسمه الاحتلال والقوى الإقليمية التي لا تريد خيرا للعراق ، وتقوده فئة من السياسيين وقادة الميليشيات المتعصبين طائفيا.