غريب أمر السيد خالد مشعل رئيس المكتب السياسي لحركة حماس الذي يملأ الدنيا‏,‏ هذه الأيام بتصريحات وبيانات تكاد تقضي علي المكاسب التي حققها الفلسطينيون خلال العقد الأخير وتعيدهم مرة أخري إلي أجواء التشدد والصراع الداخلي الذي عانت منه الساحة السياسية الفلسطينية في الستينيات والسبعينيات والثمانينيات‏.‏

فقد حدد مشعل‏,‏ في خطاب له الليلة قبل الماضية بدمشق لاءات جديدة وخطوطا حمراء لا يجب الاقتراب منها قائلا إن حماس لن تعترف بإسرائيل ولن تنبذ المقاومة ولن تستسلم لمن يريد الانقلاب عليها‏,‏ داعيا إلي اقامة دولة فلسطينية علي حدود‏1967‏ في غضون أربع سنوات‏.‏

والسؤال الذي يتبادر إلي الذهن هو كيف ستقوم الدولة الفلسطينية دون أن يرتبط ذلك بترتيبات مع إسرائيل‏,‏ وكيف ستمارس هذه الدولة مهامها وهي لا علاقة لها بإسرائيل؟ ثم من في هذا العالم سيعترف بالدولة الجديدة التي لن تعترف بجارتها إسرائيل ولن تكون ملتزمة بالاتفاقيات التي تم توقيعها معها في السابق‏,‏ يؤسفنا أن نقول إن هذه الدولة ستصبح طالبان جديدة لا يعترف بها أحد في العالم‏.‏

وإذا كان رئيس مكتب حماس يريد أن يرسي قاعدة‏,‏ وهي عدم الاعتراف بما تم التوقيع عليه فكيف يريد من العالم أن يثق به؟ وماذا يمكن للعرب الذين طالبهم به مشعل وهو بقمة للاعلان عن قيام الدولة أن يفعلوا‏,‏ إذا كان لم يستشرهم أو ينسق معهم بل إنه‏(‏ علي ما يبدو‏)‏ يريد أن يفرض عليهم شروطه وأفكاره‏.‏

وهناك نقطة مهمة أخري‏,‏ وهي أن العالم يريد أن يعرف من هو صاحب القرار الفلسطيني‏,‏ هل هو السيد مشعل المقيم خارج فلسطين أم حكومة السيد هنية في الداخل؟‏.‏ ثم أين هي المصلحة الفلسطينية في الإعلان أن حماس لن تستسلم لمن يريد الانقلاب عليها‏,‏ وهو اتهام ضمني للرئاسة الفلسطينية‏.‏

الأمر الذي يجرنا إلي مسألة تشكيل حكومة وحدة فلسطينية والخلافات التي تفجرت حولها فكيف يتصور مشعل امكانية عمل تلك الحكومة في حالة تشكيلها لو استجابت لشروط حماس وهي عدم الاعتراف لا بإسرائيل أو بالاتفاقيات الموقعة معها‏.‏ ألم تستخلص حركة حماس تجربتها من الحكومة خلال الشهور السبعة الماضية‏,‏ عندما اعتقدت أنها ستغير ليس فلسطين فقط بل العالم أيضا ثم كانت النتيجة أن العالم تجاهلها واعتبرها جملة غير مفهومة في التاريخ الفلسطيني‏.‏

ثم ان زعيم حماس نسي علي ما يبدو وعود الحركة قبيل وصولها للحكم بتحسين أحوال الفلسطينيين والقضاء علي الفساد والمحسوبية والامتثال الداخلي فماذا كانت النتيجة بعد كل تلك الشهور؟‏..‏ حالة غير مسبوقة في انهيار الوضع الاقتصادي وتفشي الفقر والفساد بل والاقتتال‏.‏

ان رئيس المكتب السياسي لحماس يمكنه أن يتحدث كما يشاء وأن يلمح إلي أنه لن يتردد في السعي للحصول علي الزعامة الفلسطينية لكنه من الضروري أن يعلم أن الزعامة مرتبطة ارتباطا وثيقا بمدي قدرة المسئول أو القائد علي تلبية مطالب شعبه وتحسين أحواله والاستجابة لتطلعاته وليس بإعادته إلي الوراء وادخاله في مشاكل وصراعات عاني منها طويلا‏.‏

الزعامة تشترط المسئولية‏.‏ والمسئولية تتطلب رؤية العالم كما هو وليس كما نريد‏.‏