هناك اتفاق بين بعض علماء الاجتماع والأنثربولوجيا على أن ظهور الأيديولوجيات ما كان ليحدث في ظل المجتمعات الزراعية السابقة على الثورة الصناعية، نظرا لأن الدين والتقاليد كانا يقومان بوظيفة مماثلة لما أصبحت الأيديولوجيا تقوم به فيما بعد.

لكن ظهور الأيديولوجيات لم ينه التجليات الاجتماعية للأديان، ولم يقض على الوظائف التي يقوم بها الدين في تفسير بعض المواقف التي يواجهها الإنسان في حياته اليومية، ولم تؤد الدور العقدي للأديان، في جانبه الغيبي.

ويميز فيليب برو بين الأيديولوجيا والدين في كون الأولى لا تقيم علاقة مع المقولات فوق الطبيعية، وبينما تؤسس الأديان وجودها على الوحي، الذي يعني انبثاق المعرفة من مصدر إلهي، تسعى الأيديولوجيات جاهدة إلى إقامة سلطانها على قواعد بشرية.

ويحول البعض الدين إلى أيديولوجيا حين يخلطه بالسياسة، مثلما يفعل اليمين المسيحي المتطرف في أميركا وغيرها، والعديد من الأحزاب اليهودية المتشددة، والجماعات والتنظيمات السياسية ذات الإسناد الإسلامي، المعتدل منها والمتطرف. وهنا لا يختلف الرئيس الأميركي جورج بوش زعيم تنظيم القاعدة أسامة بن لادن في الخلط بين الدين والأيديولوجيا، أو اتخاذ المعتقد إطارا سياسيا جامدا، يبرر الواقع، ويبشر بالمستقبل. فبوش يعلن، جهارا نهارا، من أن «الله يقف بجانبه ويسدد خطاه» مدفوعا من إيمانه بالحرب الألفية، وأسطورة «هرمجدون»، التي علمها إياه أحد رجال الدين المتطرفين الواهمين ذات يوم، ويرد عليه أسامة بن لادن من الضفة الأخرى في العالم بأن «النصر سيكون في النهاية حليف المؤمنين».

والفرق بين الاثنين هو أن الأول يتصرف كرئيس دولة، فيواري ما يعتقده وما يذهب إلى تحقيقه تحت ستار سياسة دولة عظمى، أما الثاني فيتيح له تحلله من عبء الحسابات الرسمية أن يقول ما يريد من دون مواربة.

ولا يمكن للأيديولوجيا أن تغني عن الدين، وليس بوسعها مهما تكاملت أن تحل محله، أو تلغيه، أو حتى تحيده. فكل من تصور أن هذا ممكنا وقع في خطأ فادح، وكل التجارب التي طبقت في هذا الاتجاه انتهت إلى فشل ذريع. فالدين لا يمكن أن يتحول إلى أيديولوجيا محضة، أو أن الأخيرة بوسعها أن تحقق الامتلاء الروحي والنفسي الذي تمنحه الأديان، وليس بوسع أي فكرة أو نظرية أو توجه أن يحل محل الذات الإلهية في كمالها وعظمتها وقدرتها وجلالها.

وهناك حالة وسطى بين الدين والأيديولوجيا، وهي حالة تلبس ثوب الأسطورة، أو الإيمان بزعيم ديني أو قائد سياسي ذي شخصية ملهمة ساحرة، قادرة على التأثير في أتباعه تأثيرا دفينا وقويا، بحيث يصبح الواحد منهم بين يديه كالميت بين يدي مغسله، في استسلام تام، واستلاب كامل، وانبهار بكل ما يصدر عنه من قول أو فعل.

ويحضرني في هذا المقام واقعة حدثت بالفعل، وأخرى مختلقة، أو مشكوك بها، ومفندة علميا على أيدي كثير من المؤرخين والباحثين، ولا يمكن إلا أن تدخل في سياق ما لمسناه في الحركة الصهيونية من أكاذيب، تحت شعار جهنمي يقول: «اكذب اكذب فسيصدقك الناس».

والحادثة الحقيقية وقعت في 18 من نوفمبر عام 1978، حين قام ألف شخص ينتمون إلى فرقة دينية أميركية تدعى «المحفل الشعبي» ظهرت في غويانا بأميركا الجنوبية، بقتل أنفسهم، تنفيذا لأوامر زعيمهم جيم غونز. فهذا الزعيم كان يتوقع ردا عسكريا أميركيا قاسيا، على قيام الفرقة بقتل أحد أعضاء الكونجرس. وقدم الآباء لأولادهم شراب الكولا ممزوجا بمادة السيانيد السامة، ثم شربوها بدورهم، فخروا جميعا أمواتاً.

وعكس خطاب هذه الفرقة لزعيمها حالة من الولاء الشديد له، فقد كانوا ينادونه ب«بابا حبيبي». وهاهو أحدهم يقول له: «بابا أحسن مما وقع لي». ويقول ثان: «أنت الذي حررتني». ويقول ثالث: «أنا كالموزة، قرن في سباطة». وقبيل الموت قال أحدهم له بامتنان: «هاأنذا ارتشف الجرعة»، وآخر قال وهو يلفظ أنفاسه الأخيرة: «أموت مغتبطا».

أما الحادثة الملفقة فتحكي ما تزعم أنه في السنة الرابعة من حكم الإمبراطور فيسباسيان عام 738م آثر تسعمائة وستون يهوديا كانوا في قلعة ماسادا بالقرب من البحر الميت قتل النفس، بعد أن استحثهم أعازر على ذلك بدلا من الاستسلام للرومان. فقتل الرجال أولادهم وزوجاتهم، وهم يعانقونهم للمرة الأخيرة، ثم اختاروا من بينهم عشرة بالقرعة ليتولوا قتل الباقين. واختار هؤلاء العشرة واحدا منهم فقتل التسعة، ثم بعج نفسه ... وقد تخيل المؤرخ يوسيفوس ما قاله ألعازر: فلتمت زوجاتنا قبل أن يسربلهن العار، وليمت أولادنا قبل أن يعرفوا الاسترقاق، فإذا قضوا نحبهم، فليقدم كل منا صنيعا إلى الآخر، محتفظين بحريتنا لتكون كفنا لائقا بنا.

وخطورة الأيديولوجيات المتكئة على الدين، أو المعتمدة عليه، أو بمعنى أدق التي تستغل الدين في مجال الأيديولوجيا، أن فرصة تطور تفكيرها السياسي تبدو ضعيفة، مقارنة بالأيديولوجيات الوضعية. ففرص التطور أو حدوث «قطيعة معرفية» داخل الأيديولوجيا الدينية تبدو أمرا غاية في الصعوبة، إن لم يكن مستحيلا. كما أن الصراعات الدولية إن لبست ثوب الدين، فستكون أشد ضراوة، وأكثر تعقيدا، وتبدو فرص وضع حد لأوزارها ضعيفة.

مدير مركز أبحاث ودراسات الشرق الأوسط ـ القاهرة