عندما صنف الرئيس الأميركي بوش كلا من كوريا الشمالية وإيران والعراق ضمن محور الشر كان يستهدف عزل هذه الدول الثلاث دوليا تمهيدا للاستفراد بكل منها على حدة غزوا وتدميرا واحتلالا.

وقد نجح الأميركيون في غزو العراق وتدميره واحتلاله، واليوم العراق مهدد بالتقسيم الديني والعرقي.

وعلى النقيض ظلت كوريا الشمالية مستعصية على التطويع الأميركي، بل إنها واجهت الصلف الأميركي بصلف أقوى لتوجه يوم الاثنين الماضي أكبر لطمة لأميركا بإجراء تجربة نووية، لتدخل بذلك رسميا ورغم أنف أميركا إلى النادي النووي الذي يضم الآن تسع دول، وبذلك أصبحت كوريا الشمالية في مأمن تام وكامل من أي تهديد عسكري أميركي، بل إن أميركا هي التي تصرخ الآن لأنها أصبحت في مرمى الصواريخ النووية الكورية.

وبعد هذا النجاح الكوري والتمزق العراقي تبقى إيران في مرمى التهديدات الأميركية، وموقف إيران شديد الحساسية، لأنها في منزلة ما بين المنزلتين، فهي تمتلك برنامجا نوويا لكنها لا تمتلك بعد سلاحا نوويا. وهي في ذات الوقت دولة قوية استفادت مما جرى في العراق بما يجعل أميركا تفكر ألف مرة قبل الإقدام على أي عمل عسكري ضدها، لكن وضعها القوي هذا لا يزال ضعيفا أمام القوة الأميركية الجامحة المسلحة بتحريض من إسرائيل وغيرها.

وبلا ريب فان موقف إيران صار شديد التعقيد بعد التجربة النووية الكورية، فالأميركيون الذين فشلوا مع كوريا الشمالية غير مستعدين لتلقي صفعة جديدة، وليسوا مستعدين أيضا ـ رغم ارتباكهم أمام كوريا وإيران ـ لخلط الأوراق في مناطق مصالحهم الحيوية مجددا، فكل من كوريا الجنوبية واليابان يعد الآن عدته ـ بعد تجربة بيونغ يانغ ـ ويجهز قدراته لامتلاك السلاح النووي حتى لا تسحقه كوريا الشمالية ذات يوم.

بعد التجربة الكورية الشمالية صارت كل الاحتمالات مفتوحة، بل وأكثر ترجيحا من ذي قبل لبلوغ التهديدات الأميركية ضد إيران مداها وهو ما قد يجر المنطقة إلى محنة يعلم الله وحده مآلها وأبعادها. وهذا ـ ربما ـ كان أحد العوامل وراء السعي لتشكيل مجموعة (8+1) التي عقدت أول اجتماعاتها في القاهرة مؤخرا، لمحاولة عزل إيران ومحاصرتها.

وفي طهران يرقب الإيرانيون كل هذه التطورات الجديدة والمحتملة ويتحسبون لها ويشحذون كل قدراتهم دون توقف عند سيناريوهات حافة الهاوية التي تمارسها إيران باقتدار.

وبين إيران وكوريا الشمالية وأميركا وإسرائيل يظل العرب وحدهم هم الخاسرون ومثلما خسروا في العراق فهم مرشحون لمزيد من الخسارة لأنهم يلعبون وفق إرادة غيرهم وليس هناك أبلغ مما قالته كوندوليزا رايس عن المشروع النووي المصري، وهو المشروع العربي الوحيد حتى الآن، فعندما سئلت عنه قالت: «إن موقف واشنطن هو تشجيع هذه البرامج، طالما أن تخصيب اليورانيوم لا يتم داخل الدول التي تمتلك مثل هذه البرامج»، ما يعني ان المشروع النووي المصري سيكون منزوع الدسم أميركيا قبل أن يرى النور.

وهكذا فان أميركا تجير المشروع المصري لأمن إسرائيل، وهنا سر الغضب الأميركي من المشروع النووي الإيراني، لإصرار إيران على امتلاك التخصيب، ولان إيران تحرص على أن يكون برنامجها وطنيا يخدم مصالحها، فهي لا تأبه للتهديدات الأميركية بل وتقاومها، وقد نجحت في ذلك.

وإذا قارنا حال كوريا وإيران بالعراق، فما كانت أميركا تجرؤ على غزو العراق واحتلاله لو كان يمتلك مثل كوريا الشمالية سلاحا نوويا، وإيران تستوعب ذلك وتدركه، لذا تحرص على امتلاك برنامجها بالكامل.. فهل يستوعب صانع القرار النووي العربي ذلك وينفذه؟

الإجابة طبعا محل شك.. والشواهد موجودة.