هل كانت زيارة الوزيرة رايس الأخيرة للشرق الأوسط تهدف لحلحلة المسار الفلسطيني - الإسرائيلي وترتيب الأوضاع السياسية في لبنان بما يتناسب مع مصالح الولايات المتحدة في المنطقة وأخيراً معالجة الوضع المعقد في العراق الذي ينبئ بحرب أهلية واسعة نحو تقسيم العراق الجيوسياسي؟
أم أن هذه الزيارة المهمة هدفت قبل أي شيء آخر إلى تحضير المنطقة لحرب عسكرية أخرى ضد إ يران لضرب برنامج طهران النووي الذي تراه واشنطن خطراً محدقاً للمصالح الأميركية في المنطقة وخطراً مباشراً على مستقبل الدولة العبرية؟
الأغلب أن زيارة الوزيرة رايس هذه المرة للمنطقة لم تكن مرتبطة بشكل مباشر بالقضية الفلسطينية أو بالملف اللبناني أو الملف العراقي برغم من أهمية هذه الملفات وتأثيرها على المصالح الاستراتيجية الأميركية والانتخابات التشريعية الأميركية القادمة في شهر نوفمبر وهذا لا يعني بأن الوزيرة رايس لم تتطرق لهذه الملفات الشديدة التعقيد والتي سببت الكثير من الضرر لمصداقية إدارة الرئيس بوش في العالم كله وداخل الولايات المتحدة أيضاً.
ولكن إصرار طهران على رفض توقيف برنامجها النووي ولو لفترة محددة وعزمها على المضي قدما بالرغم من التهديدات بالعقوبات المختلفة من قبل الدول الغربية والمجتمع الدولي بأسره، مع ملاحظة التفاوت بالمواقف الدولية الرئيسية، أثار ويثير غضب إدارة الرئيس بوش وخاصة العناصر اليمينية المتشددة ويدفعهم لتبني سياسة أكثر حزماً تجاه طهران، بما فيها التحضير لضربة عسكرية وقائية لمنشآت المفاعل النووية الإيرانية.
والسؤال المطروح بشكل جدي من قبل المحللين الاستراتيجيين والسياسيين حالياً هو: هل يعقل أن يتخذ الرئيس بوش قراراً خطيراً مثل شن هجوم عسكري ضد إيران خلال الفترة المتبقية من حكمه؟ وهل هناك من الأسباب الكافية ما يدفعه لاتخاذ قرار الهجوم ويؤيده الكونجرس والبنتاغون والشعب الأميركي؟
اتخذ الرئيس بوش منذ توليه الرئاسة الأميركية قرارات خطيرة كإعلان الحرب على الإرهاب وغزو العراق وتقديم الدعم المطلق لإسرائيل في حربها على لبنان بما فيها السماح لإسرائيل بتدمير البنية التحتية اللبنانية وارتكاب العديد من المجازر. ويستنتج من هذه القرارات الخطيرة أن لدى هذه الإدارة اليمينية نوايا عدوانية ظاهرة أدت إلى كوارث حقيقية ولم تنجح حتى الآن في تحقيق الاستقرار والأمن والازدهار التي وعدت بها قبل كل حرب شنتها هي أو دعمتها بشكل غير مباشر كما حدث و يحدث في لبنان وفلسطين.
أما الأسباب التي تحدو الكثير من المحللين للاعتقاد بأن حرباً أميركية ضد إيران أصبحت مؤكدة قبل انتهاء ولاية الرئيس بوش في نهاية العام 2008 فهي:
أولاً: كما كان متوقعاً، عرضت إيران الدخول في المفاوضات رافضة الشرط المسبق بوقف تخصيب اليورانيوم. وإيران التي ستواصل مماطلتها في انتظار فشل المساعي الأميركية لحمل النفوذ الدولي على فرض عقوبات قاسية، لاتزال مقتنعة، مع مبرر كاف، بأن الولايات المتحدة ملتزمة بالإطاحة بنظام طهران على المدى المتوسط، وشن حرب أشمل ضد الإسلام، وخاصة «الإسلام الفاشي» كما عرفه الرئيس بوش، على المستوى الاستراتيجي البعيد.
ثانياً: ستفشل واشنطن بقيادة الرئيس بوش في حمل مجلس الأمن على إنشاء ومن ثم فرض نظام عقوبات قاسية بما فيه الكفاية لتغيير الموقف الإيراني، الأمر الذي سيزعج كثيراً الإدارة الأميركية التي ستشعر بأنها فقدت الكثير من مصداقيتها في المسرح الدولي واحتمال نشوء خلافات حادة مع حلفائها الرئيسيين. بالمقابل هذا الأمر سيعزز من الموقف الإيراني الرسمي والشعبي ويمنحه مزيداً من التشدد باتجاه الإصرار على حق إيران على التخصيب.
ثالثاً: حتى لو نجحت واشنطن في فرض عقوبات على إيران في نهاية الأمر، فإن طهران لن ترضخ لهذه العقوبات وستصر على إتمام مسيرة التخصيب التي تراه حقاً مكتسباً وهدفاً استراتيجياً وقومياً، الأمر الذي يعتبر تجاوزاً لخطوط الحمر الأميركية والإسرائيلية سواء قادت هذه المسيرة إلى صنع قنبلة نووية أم بقيت دون ذلك . وهنا تجدر الإشارة إلى أن التطور الأخير في كوريا الشمالية والذي تمثل بإجراء تجربة نووية سيشجع طهران في تصليب موقفها في الوقت الذي سيدفع واشنطن وتل أبيب إلى تبني موقف حازم من قضية الملف النووي الإيراني.
رابعاً: لقد تعهد الرئيس بوش بمنع إيران من امتلاك القدرة على التحول إلى قوة نووية قبل مغادرته الرئاسة في واشنطن، مما يعني الالتزام بشن هجوم عسكري إذا ما فشلت جميع الوسائل الأخرى لإقناع طهران بوقف برنامجها النووي. وهذا ما تفعله إدارة الرئيس بوش من استنزاف لجميع الوسائل السلمية لتغيير الموقف الإيراني، الأمر الذي سيزيد من قناعة الداخل الأميركي بوجوب اللجوء إلى الخيار العسكري من جهة، ويمهد الطريق لتسويق الخيار العسكري إقليمياً ودولياً، من جهة أخرى.
خامساً: إن لدى الرئيس بوش وإدارته إيمانا قويا وراسخا بأن سياسة إيران في المنطقة وطبيعة النظام الإيراني تشكل خطراً وجودياً لإسرائيل، وتهدد المصالح القومية للشعب الأميركي في أكثر المناطق حيوية وأهمية. كما أن إيران بالنسبة للرئيس بوش تشكل عقبة رئيسية لإقامة «الشرق الأوسط الجديد} من خلال دعمها للمنظمات المعادية للسياسة الأميركية.
وأخيراً: يقر الرئيس بوش وكبار المسؤولين السياسيين في إدارته بأن مخاطر وتكاليف الحرب الاستباقية ضد إيران أقل هولاً وضرراً من مخاطر وتكاليف السماح لإيران بامتلاك الأسلحة النووية.
ولكن المشكلة أن الرئيس بوش لا يأخذ بعين الاعتبار التداعيات الخطيرة جداً جراء نشوب حرب إضافية تقودها الولايات المتحدة في منطقة الشرق الأوسط التي تعاني شعوبها من الفقر والجهل والبطالة والاحتلال المباشر وغير المباشر. كما أن الرئيس بوش لا يأخذ بعين الاعتبار ازدياد التطرف والتشدد من قبل الكثير من الجماعات المتشددة في حال قرر إشعال حرب أخرى، الأمر الذي سيقود حتماً إلى ازدياد حالة اللاأمن واللاستقرار في العديد من الدول وخاصة تلك المجاورة لإيران والعراق.
إن على إدارة بوش أن تركز جهودها في الفترة المتبقية من حكمها على حل النزاعات الإقليمية وخاصة النزاع العربي - الإسرائيلي ومعالجة الملف العراقي بأكثر حكمة ودراية والابتعاد عن التدخل المستمر في الشؤون الداخلية لأنها لم تأت إلا بمزيد من الاضطرابات والعنف والقتل وانتهاكات لحقوق الإنسان والقانون الدولي.
لن يكون الأمر صعباً لدى الرئيس بوش لاتخاذ قرار الحرب ضد إيران إذا ما توفرت النوايا والتاريخ أثبت ذلك في العام 2001 عندما اتخذ قرار الحرب ضد الإرهاب وفي العام 2003 عندما اتخذ قرار غزو العراق. ولكن أوضاع المنطقة لم تصبح أفضل حالاً بل ازدادت سوءا بسبب هذه القرارات الاعتباطية العنصرية.
كل ما نأمله في الفترة القادمة وخصوصاً في السنتين المقبلتين من الرئيس بوش أن تركز إدارته على إحلال السلم والأمن في المنطقة وأن يجسد رؤيته بإقامة دولة فلسطينية مستقلة وذات سيادة والمطالبة بشرق أوسط خال من كل أسلحة الدمار الشامل بالتزام كامل من جميع الدول وفي مقدمتها إسرائيل التي تمتلك منفردة مئات الرؤوس النووية.
كاتب وباحث سياسي
isam997@hotmail.com