يوما بعد يوم يتضح للجميع أن منبع الخطر الكبير ليس في قوة المستكبرين الذين يواصلون عدوانهم على شعوب أمتنا دولة وراء دولة،مع فصل مسار كل دولة عن شقيقتها، ويشنون حروبهم عليها جبهة بعد جبهة، مع فصل كل جبهة عن جبهات الحرب الأخرى.
ولكن الخطر كل الخطر نابع من ضعف إرادة ووعى المستضعفين الذين يسمحون باستمرار هزائمهم بسبب تفرقهم وخلافاتهم وضعف إدراكهم بأن عدوهم واحد وجبهة المواجهة واحدة، ولا سبيل إلى التصدي له متفرقين بينما يخطط لإخضاعهم جميعا على مراحل باعتبارهم جبهة واحدة.
فبين قوسين كبيرين الأول في «كابول» والثاني في «غزة»، يمتد خط المواجهة الصهيونية الأميركية التي تتخذ وضع الهجوم ضد القوى العربية والإسلامية التي تتخذ وضع الدفاع والواقعة بين القوسين، والهدف هو تنصيب إسرائيل كقوة إقليمية كبرى وحيدة في المنطقة في إطار الوصاية الأميركية الأكبر على «الشرق الأوسط الكبير»، وإغلاق الملفات الساخنة كلها بتسويات انفرادية لصالح «تل أبيب».
والواقع أن ملفات القضايا الساخنة والباردة، المتحركة والساكنة، على الخريطة العربية والإسلامية جميعها مترابطة،و يتم التعامل معها في واشنطن وتل أبيب باعتبارها ملفا واحدا لقضية واحدة، وأن تسوية هذه القضية الواحدة يجرى تحقيقها على حلقات في جبهات عدة، تحت تسمية واحدة يطلقون عليها «الحرب على الإرهاب»، باعتبار زائف بأن الإسلام مرادف للإرهاب وأن العرب هم الإرهابيون !
وبنظرة عامة على المنطقة، لا يمكن فصل ما حدث في العراق وما يحدث في لبنان أو سوريا بما يستهدف في فلسطين، كما لا يمكن فصل ما حدث في أفغانستان عما يستهدف من إيران، ولاما يحدث مع إيران الآن من ضغوط عن الهدف الأميركي بضمان الأمن لإسرائيل.
ولا يمكن فصل احتلال العراق ومحاولة تقسيمه وإثارة الفتنة الأهلية بين أطيافه، ولا الهلع مما توهمته من امتلاكه لأسلحة الدمار الشامل،إلا خوفا من أن العراق الذي كان يساند الانتفاضة الفلسطينية،يمكن أن يكون قوة عربية إقليمية كبرى تناقض الهدف الأميركي وتشكل خطرا على أمن إسرائيل.
كما لا يمكن فصل توصيف واشنطن لإيران بأنها أحد محاور الشر، ولا الذعر من امتلاكها للتكنولوجيا النووية السلمية، إلا خوفا من إيران التي، يمكن أن تكون قوة إسلامية إقليمية كبرى، بما يناقض الهدف الأميركي لأنها تقف موقف العداء لإسرائيل.
والمنهج الأميركي الإسرائيلي في التعامل مع قضايا المنطقة العربية والإسلامية يقوم على محاولة إجهاض بروز أي قوة إقليمية كبرى عربية أو إسلامية يمكن أن تشكل بديلا عن الهدف الاستراتيجي بأن تكون إسرائيل القاعدة الأميركية في المنطقة هي القوة الإقليمية الكبرى الوحيدة.
وسعياً لهذا الهدف تنبع الرغبة الأميركية في إغلاق ملف الصراع المسلح حول أم القضايا في فلسطين ببث الخلافات بين فصائل الكفاح الفلسطيني، وبإحباط التحرك الجماعي العربي باتجاه مجلس الأمن وعن طريق التعامل مع أطراف الصراع في إطار ثنائي للفصل بين المسارات والملفات المتعددة للقضية الواحدة لدفع الأطراف الإقليمية للتسوية مع إسرائيل وفق شروطها.
وفى الوقت الذي نجحت فيه هذه السياسية بالتوصل إلى تسويات على الجبهة المصرية والأردنية والفلسطينية، لكنها فشلت حتى الآن في ذلك على الجبهة السورية واللبنانية بصمود المقاومة اللبنانية بقيادة حزب الله، والفلسطينية بصعود حركة حماس، رغم الحصار الغربي والعربي لهذه المقاومة.
وبقراءة عامة لكل ما حدث ويحدث في العراق، وللمواجهة الحالية مع إيران، وتصعيد الضغوط والتهديدات ضد سوريا، وإثارة التوترات المتفجرة في لبنان، وتوسيع هوة الخلافات بين فتح وحماس، والحملة الدعائية المحمومة ضد حركات المقاومة للاحتلال الإسرائيلي، كحزب الله في لبنان وحماس والجهاد في فلسطين، وتوصيفها كمنظمات إرهابية، إنما يهدف لشرعنة الحرب الإسرائيلية الأميركية عليها وتسويقها بالغش دوليا، باعتبارها جزءا من الحرب العالمية ضد الإرهاب.
بينما على العكس من ذلك هو ما تشرعه المواثيق الدولية وما تتمسك به الشعوب العربية من اعتبار المقاومة بكل الوسائل هي حق مشروع للشعوب التي تقع أوطانها أو جزء منها تحت الاحتلال، وبالمخالفة لما تعتبره الدنيا كلها بأن الاحتلال هو الذي يعد أسوأ أشكال الإرهاب، وباحتلال أفغانستان وبغزو العراق أصبحت القوات الأميركية الزاحفة لتسوية الأرض أمام الهدف الإسرائيلي الشرير تحيط بإيران، ساعية لتهديدها بالغزو أو بالاحتواء تمهيدا لترويضها وإخراجها من دائرة العداء لإسرائيل، مدركة أن عزل وحصار إيران بعد غياب العراق يهدد سوريا ويشل قدرتها على الوقوف وحيدة في دعم المقاومة.
وبالتالي يمهد الأجواء لتصفية المقاومة وإجبار كل الأطراف على التسوية بالشروط الأميركية أى الإسرائيلية، محققة بذلك الهدف الاستراتيجي الكبير بتتويج إسرائيل باعتبارها القوة الإقليمية الكبرى الوحيدة في «الشرق الأوسط الكبير».
وإن ما يجري الآن على مرأى من العالم كله وسط الصمت المريب والتواطؤ الرهيب من جرائم المجازر اليومية الإسرائيلية بالغارات الجوية ضد المدنيين الآمنين الفلسطينيين، والاغتيالات والاعتقالات للمقاومين والسياسيين والوزراء والبرلمانيين المنتخبين، وهدم الجسور والبيوت وتدمير البنى التحتية وحرمان الفلسطينيين من الماء والكهرباء بعد حرب التجويع لشعب أعزل، وحشد الدبابات وآلاف الجنود للعدوان الشامل على «غزة» والضفة الفلسطينية لاحتلالها من جديد، لهي جرائم حرب وحشية تقوم بها قوات الاحتلال الإسرائيلي في أبشع صور الإرهاب بتواطؤ وتخاذل دولي مهين.
إن كل السيناريوهات في المنطقة مهما تعددت جبهاتها، واختلفت صورها، وتباعدت مواقعها فإنما، هي في النهاية أشكال لأوجه معركة واحدة تنبع من قضية واحدة وتصب في هدف واحد يستهدف تصفية أية مقاومة وطنية أو إقليمية لمحاولات ابتلاع فلسطين، و لكن حذار من أن ينسى أحد من العرب أو المسلمين أن مصيرنا كله ولأجيال قادمة سوف يتقرر في العراق وفلسطين، ولا ينبغي أبداً أن نسمح لأنفسنا أن نواجه مصائرنا متفرقين.
كاتب مصري
mamdoh77t@hotmail.com