كنت مع صديقتي في حديث مع سيدة كندية مقيمة في الإمارات بالأمس، وتشعب الحديث بنا إلى أن وصل إلى تساؤلات كثيرة طرحتها هذه السيدة حول الإسلام. ويبدو لي أنّ هذه السيدة ـ وقد يكون مثلها كثيرون ـ لديها من الأسئلة الكثير بحيث لا يمكن لحديث عابر قصير أن يستوعب كل ما يدور في نفسها حول الإسلام والمسلمين.

ورغم أنّ أسئلتها كانت في جوهرها تركز على جانب التناقض الذي يشعر به المرء بين روح الإسلام وتعاليمه وما تعوّد عليه كثير من المسلمين من عادات وسلوكيات هي بعيدة كل البعد عما جاء به الإسلام وما دعا إليه محمد عليه الصلاة والسلام ـ فإنّ المرء يشعر بأنّ هذه الأسئلة في عمقها تحمل الكثير من الاحترام لهذا الدين؛ فقد كانت تكرر كثيرا عبارة «أنا لا أشعر أنّ هذا هو ما أراده النبي محمد» بمعنى أنها كانت تحس أنّ الإسلام في حقيقته بعيد كل البعد عن كثير من المظاهر التي تراها تمارس في حياتنا اليومية والتي قد يظنّ ظانّ أنها من الإسلام أو مما يدعو إليه هذا الدين الحنيف، كالذي يحدث في أيام الحج من تدافع وتزاحم يؤدي أحيانا إلى الموت.

وكان هذا مثالا واحدا من الأمثلة التي ساقتها تلك السيدة في معرض حديثها عما تراه من مظاهر التناقض بين الإسلام وواقع حال المسلمين.

والأمر الثاني الذي تبادر إلى ذهني ونحن نستمع إلى هذه السيدة أنّ هذه المرأة لو لم تكن الآن مقيمة في بلدنا وترى المسلمين وتتعرف إلى دينهم من خلال شعائره التي يمارسونها يوميا، وعلاقاتهم بعضهم ببعض لما أزعجت نفسها بالتساؤل ومحاولة البحث عن إجابات.

فكثير من الغربيين يعيشون في بلادهم ولا يعنيهم أن يعرفوا حقيقة الإسلام، وليس في أذهانهم عنه إلا ما تبثه لهم وسائل إعلامهم التي تكون ـ في الغالب ـ موجهة توجيها سياسيا لا ينتظر منه أن يقدّم صورة حقيقية عن هذا الدين العظيم. أما هذه السيدة فإنها تتابع الأخبار من خلال وسائل إعلام مختلفة وترى من الصورة جوانب لا يتسنى لأمثالها أن يراها، ولذلك فهي الآن تقف على الجانب الآخر من الضفة، وتشعر شعورا قويا أنّ واقع الحال ليس كما كانت تتصوره أو كما كان يصوّر لها وهي هناك في الأرض البعيدة التي لا تلتقط عدستها من بلادنا إلا ما يعمّق الصورة المبهمة الغامضة عن المسلمين، وما يؤطرهم في صورة جماعات متخلفة يغذيها الحقد والكراهية، ويحركها العنف والإرهاب.

وهذا ما تؤكده هي نفسها، فهي تقول إنها حين تراسل أصدقاءها في الولايات المتحدة أو كندا عبر البريد الإلكتروني تكتشف أنهم ما زالوا مستلبين إلى تلك الصورة القديمة التي كانت هي نفسها مستلبة إليها، وهي الآن تحاول أن تنقل إليهم ما تسنى لها أن تراه من خلال موقعها القريب من المسلمين وما بدأت تعرفه عن حياتهم وواقعهم. ولذلك فهي تؤكد أنّ الإسلام يفتقر إلى وجود عناصر واعية من المسلمين يقدمونه إلى الآخرين تقديما يكشف الجوانب المشرقة فيه، ويلفت الأنظار إلى روح الإسلام الجميلة التي تدعو إلى السلام وحب الخير ومساعدة الآخرين. فالحوار بين المسلمين وغير المسلمين يكاد يكون معدوما، وقد يتخذ أحيانا صوراً لا تليق بالإسلام.

كان هذا بعضا مما قالته تلك السيدة التي أظن أنها أصبحت مشغولة كثيرا بهذا الموضوع، خاصة وأنها تشير إلى أنّ ابنتها، وهي في الخامسة عشرة من عمرها، أخذت تتأثر كثيرا بمظاهر الإسلام، وتبدي تعاطفا كبيرا مع المسلمين إلى الدرجة التي جعلتها تصوم بعض أيام رمضان تعبيرا عن مشاركتها الوجدانية لأصدقائها من المسلمين.

لقد فتح هذا الحوار الباب لكثير من الأسئلة التي قد يتناساها المرء في غمرة ضغوط الحياة اليومية، ومتطلبات العمل والمسؤوليات الكثيرة التي تثقل كاهل الإنسان فلا تدع له مجالا للتفكير في مثل هذه القضايا الكبرى المهمة، فتغيب في خضم الهموم اليومية الصغيرة التي لا نهاية لها ولا حدّ. ولكنّ هذه القضايا من الأهمية بمكان ـ خاصة في وقتنا الحالي ـ بحيث تستحق منا وقفة طويلة واهتماما حقيقيا ينعكس في إجراءات منظمة من قبل جهات مختصة تتحمل مسؤولية تقديم صورة مشرقة عن إسلامنا وحياتنا من خلال لقاءات يحضرها المهتمون من المقيمين على أرضنا من غير المسلمين.

بحيث تفتح لهم آفاق التعرف على الإسلام وتتيح لنا أن نكشف لهم عن جوانب كثيرة فيه، ولا يكفي أن تنهض بهذه المهمة جهة واحدة من غير وجود تنسيق وإشراف عام يتيح لعملية التواصل معهم أن تكون ذات أهداف محددة ورؤية واضحة. ولا أقصد هنا أن يتخذ هذا التواصل صورة دعوة غير المسلمين إلى الإسلام، فهذه قضية أخرى قد تكون بعيدة عما نحن فيه الآن.

إنّ القصد هو الحوار مع هؤلاء الناس الذي يتيح لنا أن نصحح الكثير من التصورات غير الصحيحة التي علقت في أذهانهم عن ديننا وحضارتنا وحياتنا بتفاصيلها الصغيرة. إنّ أعدادا كبيرة من غير المسلمين تعيش اليوم على أرضنا، وتربطنا بهم علاقات قد تتجاوز أحيانا علاقات العمل الضيقة. وهؤلاء يأتوننا من مشارق الأرض ومغاربها، وكثيرون منهم يودون أن يعرفوا الكثير عنْ ديننا وحضارتنا وتاريخنا.

فلماذا لا نستثمر الفرصة بأن نتواصل معهم تواصلا يعكس اعتزازنا بأنفسنا وقيمنا وديننا، ولا يجعلنا ننساق وراء رغبتنا في إرضائهم وإسعادهم إلى الدرجة التي قد تجردنا من ثوابتنا وبعض ما يفترض بنا أن نتمسك به بقوّة بغضّ النظر عما قد يعكسه هذا الأمر في نفوسهم؟ فليس صوابا أن نتخلى عن قيمنا من أجل الآخرين، كما أنه خطأ كبير أن نترك الآخرين يبنون تصورات خاطئة عن حقيقتنا لأننا لم نقم بدورنا في التواصل معهم تواصلا حضاريا يقوم على الحوار والإقناع والاعتزاز بالذات واحترام حق الآخر في الرفض أو القبول.

جامعة الإمارات