ليس هناك أصدق مما قاله قائد الجيش البريطاني الجنرال السير ريتشارد دانات عما يجري فوق أرض الرافدين. هذا القائد المسؤول عن جيش واحدة من القوى العظمى في عالمنا المعاصر، والمدججة بأفضل وأقوى آلة عسكرية بعد الولايات المتحدة والتي كانت يوما ما تحمل لقب الإمبراطورية التي لا تغيب عنها الشمس، وضع النقاط على الحروف أمام العالم، واعترف بشجاعة فائقة بأن الوجود العسكري البريطاني في العراق يفاقم المشاكل الأمنية ،وأن على بلاده أن تخرج من هناك في أسرع وقت.
لقد اعترف القائد البريطاني الرفيع بأن بلاده دخلت العراق عنوة. فأبلغ وأصدق ما قاله ـ وهو ما يعبر عن نبض الشارع العراقي والعربي والإسلامي ـ «نحن في بلد مسلم ورأي المسلمين في وجود الأجانب في بلادهم واضح تماما، فالأجنبي يمكن أن يكون محل ترحيب عند دعوته، لكننا لم ندع من قبل العراقيين عندما دخلنا بلادهم».
تلك هي شجاعة قائد يعترف بتورط بلاده في حرب فاقمت من معاناة العراق. وهو اعتراف لم يسبق لقائد عسكري كبير أن يقوله بتلك الصورة العلنية من خلال مقابلة مع صحيفة «ديلي ميل»البريطانية، ودون أن يضع مساحيق تجميل على عباراته الجريئة التي تقر بالحقيقة. وهذا الاعتراف يعني بكل وضوح أن الاحتلال يجعل الأوضاع في العراق سيئة. ولعل ما يؤكد أن ما قاله السير دانات يحظى بقبول وتأييد الرأي العام في بلاده ـ ولا نقول في ديارنا العربية والإسلامية ـ أن والدة أحد الجنود البريطانيين الذين قتلوا في العراق، علقت سريعا على تصريحات القائد البريطاني الشجاع بالقول:
« انا مسرورة، لأن أحدهم قال شيئا في النهاية». تلك هي فرحة أم بريطانية فقدت ابنها في الحرب. فماذا نحن نقول، ومواطن عراقي من بين كل أربعين يموت في أرض الرافدين التي تحولت مناطق من ربوعها الجميلة إلى مقابر جماعية، دفن فيها 655 ألف شهيد منذ بدء الغزو في مارس 2003؟!
اعترافات السير دانات، سبقها ذلك التقرير المخيف الذي أثار الفزع في قلوبنا على ما يحدث لشعب عربي شقيق يعاني من أبشع حالات الفوضى والانفلات الأمني، في ظل احتلال لم يقرر بعد متى يحمل عصاه ويرحل. لقد كشف التقرير عن أن الثمن الحقيقي للحرب هو مصرع 2.5 % من سكان العراق.
إن ما قاله الجنرال البريطاني دانات عن تفاقم الأوضاع الأمنية في العراق في ظل الاحتلال، لا يمكن أن يكذبه أحد من قادة التحالف الذي خطط للحرب على العراق، وخاصة قادة البنتاغون. بل هاهو رئيس هيئة الأركان في الجيش الأميركي الجنرال بيتر بايس، يعترف بالحاجة إلى مراجعة الاستراتيجية الأميركية في العراق .
قائلاً: إن خطط الحرب التي سبقت الغزو افتقرت إلى الدقة وكانت «ضعيفة»، واستندت على الأرجح على التفاؤل أكثر من التخطيط السليم. والرئيس بوش من جانبه كان قد صرح في أعقاب لقائه بقائد القوات المتعددة الجنسيات في العراق الجنرال جورج كايسي، أنه مستعد لإعادة النظر في السياسات المعتمدة في العراق.
وإذا كان الرأي العام البريطاني أضعف شعبية الحكومة البريطانية بسبب الحرب على العراق، فإن الشعب الأميركي هو الآخر، لم يعد يقبل بما يجري في العراق. ولعل استطلاعات الرأي العام الأميركي الأخيرة تؤكد تراجع شعبية الجمهوريين الذين ينتمي إليهم الرئيس بوش مع اقتراب موعد انتخابات التجديد النصفي للكونغرس في نوفمبر المقبل. لقد تزايدت الخسائر البشرية للقوات الأميركية في العراق، ويكفي أن 44 جنديا أميركيا قتلوا منذ بداية هذا الشهر.
وهذا ما يدفع الأميركيين ـ ليس على المستوى الشعبي فحسب ـ بل على المستوى الرسمي إلى البحث عن مخرج لما يجري على أرض الرافدين. وبالنسبة لنا نحن العرب نقول: إن العراق.. هذا البلد الغالي الذي صار جرحا نازفا تسيل منه دماء أبنائه زكية، آن له أن يضمد وتجف حمامات الدم التي تسيل يوميا في ربوعه.
وما نأمله أن يعيد الذين دسوا أنوفهم في الشأن العراقي حساباتهم، وفي الوقت نفسه، نأمل أن يلتئم شمل أبناء الرافدين الذين لا يرضيهم أن يتحول وطنهم الغالي، مهد أروع الحضارات الإنسانية إلى أشلاء ممزقة.