في الوقت الذي يثير فيه المشهد الدامي في العراق الكثير من القلق والمخاوف بالنسبة لما يمكن ان تؤول اليه التطورات الجارية في بلاد الرافدين، الا انه يمكن المراهنة وبشكل قوي على الانسان العراقي ووعيه وتمسكه بعراقيته التي تسبق اي انتماء اخر وتعلو عليه.
واذا كانت احداث واعمال العنف التي تجري في العراق قد سجلت تصاعدا واتساعا خاصة في الشهور الاخيرة وفقا لما تم نشره من احصاءات وارقام، الا انه من الواضح ان كل القوى والفصائل والاحزاب العراقية التقت ولا تزال حول اهمية وضرورة الحفاظ على وحدة العراق وعدم الانجرار او الوقوع في وهدة التقسيم على اي نحو ممكن،والمؤتمرات واللقاءات التي عقدت بين القوى العراقية تؤكد ذلك الى حد كبير.
يضاف الى ذلك انه بالرغم مما يقال بشأن الفيدرالية في العراق، وبالرغم من المخاوف التي يتحدث عنها البعض من ناحية وما يحبذه البعض الاخر من اخذ بها من ناحية ثانية، فان مما له دلالة ان اقرار آلية تشكيل الاقاليم العراقية قد تم بموافقة 140 نائبا عراقيا من اصل 275 نائبا هم كل اعضاء البرلمان العراقي وهو ما يعني ان اقرار هذا المبدأ قد تم بالاغلبية البسيطة .
وهو ما يعكس مدى وحدة الاستقطاب سواء داخل البرلمان العراقي او على صعيد الشارع العراقي لأن المعارضين لهذه الخطوة يشكلون قطاعا كبيرا من النواب العراقيين الذين ينتمون الى مختلف القوى والتنظيمات السياسية العراقية تقريبا حيث قاطع كثيرون جلسة البرلمان التي اقرت آلية تشكيل الاقاليم العراقية.
ومع الوضع في الاعتبار ان قرار البرلمان العراقي يفتح الطريق امام عملية اعادة تشكيل الاقاليم العراقية مرة اخرى والاستناد في ذلك الى استفتاءات تتم في الاقاليم العراقية الراغبة في التجمع مع بعضها البعض في وحدات ادارية وتنظيمية اكبر في الاطار العراقي الاوسع، وهو ماسيتم بعد 18 شهرا.
وبالرغم من ان هناك بالفعل مخاوف من ان يقود ذلك الى السير بشكل اكبر نحو تقسيم العراق، الا انه من المهم والضروري التأكيد على حقيقة ان اعادة تشكيل الاقاليم العراقية، او انضمام بعض المحافظات الى بعضها لايعنى بشكل حتمي تقسيم العراق او تفتيته لسبب بسيط هو ان الفيدرالية ليست شرا في حد ذاتها ولكنها في النهاية اداة لتسيير وادارة شؤون الدولة والمجتمع الذي يأخذ بها وهناك العديد من الامثلة التي نجحت وتنجح فيها الفيدرالية في تحقيق الازدهار والاستقرار في الدول التي اخذت بها.
غير انه من الطبيعي ان الامر سيتوقف في النهاية على مدى التوافق بين الأشقاء والقوى العراقية على شكل وطبيعة هذه الفيدرالية وكذلك على مدى وطبيعة العلاقة بين الحكومة المركزية والاقاليم ايا كان عددها، والدور والسلطات الممنوحة لكل منهما وكذلك ما يتصل باختصاصات وسلطات ومسؤوليات الحكومة المركزية في مجالات الامن والدفاع والسياسة الخارجية والجوانب المالية واستغلال ثروات العراق. وهذه كلها قضايا سيتم بالتأكيد بحثها والاتفاق بشأنها بين العراقيين.
ومن ثم فان اقرار آلية تشكيل الاقاليم العراقية هو خطوة صغيرة على طريق طويل لابد ان يسير فيه العراقيون جميعهم وليس جزءا منهم لأن مستقبل العراق كدولة وكمجتمع وشعب امر يهم كل العراقيين ويهم بالضرورة ايضا مختلف دول هذه المنطقة الحيوية من العالم التي تتوق شعوبها الى الاستقرار ووضع نهاية لكل اشكال العنف والمواجهات القائمة في العراق وغيره من دول المنطقة.
ولأن مستقبل العراق هو مسؤولية العراقيين اولا، فان عبئا كبيرا يقع على عاتقهم لاحتواء اعمال العنف المتزايدة والمستمرة والتي حصدت اعدادا هائلة من ارواح ابناء الشعب العراقي. واذا كان هناك من يدفع نحو تقسيم العراق لمصلحة او لحسابات خاصة لاتمت بصلة الى مصلحة الشعب العراقي الان وفي المستقبل، فان وعي الشعب العراقي وادراكه لمصالحه وحفاظه عليها وتمسكه بعراقيته هو الضمان لمواجهة كل ما يحاك ضد العراق وما يتعرض له من ضغوط وتحديات هائلة.