لم يكن مفاجئا البتة قيام كوريا الشمالية بإجراء أول تفجير نووي لها. بل إن توقيت إجراء التجربة نفسها كان متوقعا لحد كبير لأن كافة الدلائل كانت تشير إليه. فالبرنامج النووي الكوري الشمالي يعتبر إلى حد كبير برنامجا قديما ومن ثم فإن إجراء هذه التجربة تأخر كثيرا بحساب عمر البرنامج نفسه.

إن عنصر المفاجأة الحقيقي يكمن بالحيرة التي أطبقت على أميركا وهي ترى البرنامج النووي لعدوتها اللدودة يطرح أولى ثماره. والشاهد أن مبعث الحيرة الأميركية يكمن في أن إدارة بوش ظلت وعلى الدوام تتعامل مع هذا الملف الحساس والذي يمس جوهر الأمن والسلام العالميين بسياسة التبخيس والتقليل من قدرات بيونج يانج.

بل إن الأمر غير المنطقي في هذه "الدراما النووية" هو أن تستمر تلك السياسة على حالها حتى بعد إنجاز التجربة، حيث سارعت واشنطن إلى التشكيك في طبيعة التفجير الذي تم، وبعد التأكد من ماهيته قللت من حجم القوة التدميرية للقنبلة موضع التجربة، وذلك خدمة لحسابات سياسية محضة تخصها هي نفسها.

إن قيام بيونج يانج بإجراء تجربة نووية ناجحة بكل المعايير العلمية لا يعني فقط دخولها رسميا للنادي النووي العالمي، وإنما يمثل مقدمات منطقية لانطلاق سباق التسلح النووي من عقاله مجددا، وهذا يعني أن لاعبين جدداً سينضمون لعضوية النادي النووي خلال سنوات.

كما يعني ذلك أيضا أن العالم مقبل على حقبة جديدة ستكون أشد خطورة من كافة الحقب السابقة لأن العالم لم يختبر من قبل سوى الحروب التقليدية باستثناء تجربتي هيروشيما وناجازاكي.

الواقع يقول إن دولا عديدة لديها طموحات من هذا النوع ستغريها حتما التجربة الكورية الشمالية، كما ستتشجع بالمعضلة التي تواجهها القوى الكبرى حيال هذا المأزق، لأنه ثبت بالدليل القاطع أن المقاطعة والعقوبات بل وحتى سياسة العزلة، لم تكن جميعها كافية لإقناع كوريا الشمالية بالتخلي عن برنامجها النووي. وهاهي واشنطن تقف الآن عاجزة عن فعل أي شيء سوى إصدار إدانة من مجلس الأمن.