عندما قمت بتأليف كتاب «مكسيفورنيا» قبل ما يزيد على ثلاثة أعوام، صدر جانب كبير من النقد من اليسار الأكاديمي والداعي إلى الحدود المفتوحة. واعتبر كتاب اليوميات هذا عملا مفتقرا إلى الحساسية في عصرنا المقسم بالاستقامة على الصعيد السياسي، وذلك لطرحه للشكوى من أنه ليس من الحكمة ولا مما هو أخلاقي أن يتدفق الملايين من المكسيكيين إلى الولايات المتحدة بصورة غير شرعية.

لكني في وقت لاحق سمعت أكثر من ذلك بكثير في مجال رصد الأخطاء في كتاب «مكسيفورنيا» من الوسط واليمين على المستوى الجماهيري، بسبب دفاعي عن نوع من المواطنة المكتسبة لمعظم المقيمين غير الشرعيين في أميركا الذين يتصفون بأنهم من العاملين بجد ودأب واعتراضا مني على أسس سياسية وأخلاقية على عمليات الترحيل الجماعي.

ـ لماذا هذا التحول في الرأي العام؟

ـ إن الاعتبارات الطبقية العريضة تتجاوز في الوقت الراهن وجهات نظر حزبية وعرقية بذاتها فيما يتعلق بالهجرة غير الشرعية، الأمر الذي يضع القلة الميسورة في مواجهة الكثرة الأقل حظا. والكثير من الأميركيين الأكثر تميزا في أوضاعهم والذين يرتادون المطاعم الراقية وينزلون في الفنادق ويعتمدون على المساعدة المأجورة في صيانة المروج وحمامات السباحة وإصلاح المنازل ورعاية الأطفال لا يعتقدون أن الهجرة غير الشرعية تستحق كل هذا الاهتمام بها.

ومن يعملون في مهن تحظى بالرواتب الأعلى لا يخشون من منافسة من يقبلون الأجور الأدنى لهم في وظائفهم في مجالات القانون، الطب، الحياة الأكاديمية، أجهزة الإعلام، الحكومة أو الفنون. والكثيرون الذين لا يرون في طوفان المهاجرين غير الشرعيين مشكلة يقيمون في مجتمعات محلية مترفة ذات مدارس جيدة محمية من العواقب المتعلقة بالميزانية المترتبة على تلبية احتياجات أبناء الأحد عشر مليون شخص المقيمين في الولايات المتحدة بصورة غير شرعية. وهؤلاء الناس الأكثر ثراء ليسوا أكثر ليبرالية في تسامحهم مع الهجرة غير الشرعية وإنما هم أناس أنانيون ويعانون من الازدواجية.

وفي المقابل فإن الطبقات الوسطى والفقيرة الأكثر عددا بكثير في أميركا وبصفة خاصة في الجنوب الغربي قلقة بصورة مخلصة وغاضبة أيضا. ولم يعد من الممكن حقا تصوير خصوم الهجرة غير الشرعية، على نحو كاريكاتيري، باعتبارها جزءا صغيرا من هامش أهلي.

بالنسبة للطبقة الوسطى العريضة، الفقراء والأقليات ـ الناس الذين غالبا ما يتناولون عشاءهم في بيوتهم ولا يسافرون إلا بصورة متباعدة ويجزون عشب مروجهم ويغيرون حفاضات أطفالهم بأنفسهم ـ فإن قوة العمل الخدمية الرخيصة لا ينظر إليها باعتبارها هدية من السماء إليهم.

بالإضافة إلى ذلك فإن الأميركيين المنتمين إلى الطبقة المتوسطة والأدنى يقيمون في مجتمعات محلية حيث المدارس أكثر تأثرا بدفق المتحدثين بالإسبانية وحدها. وهم باعتبارهم من البوابين، الخادمات، حراس الأراضي، النجارين، عمال المصانع، وسائقي الشاحنات فإنهم يخشون من المنافسة مع المهاجرين بصورة غير شرعية الذين يقبلون بأجور أكثر تدنيا.

والمهاجرون الشرعيون الذين ينتظرون في الصف سنوات لدخول الولايات المتحدة بصورة مشروعة يمكن أن يكونوا غير متعاطفين بصفة خاصة مع الآخرين الذين يقفزون فوق الحواجز مخترقين القانون. والجمهور كذلك يتفاقم انزعاجه مع ثلاثة عقود من نزعة تعدد الثقافات بينما يطور تقديرا جديدا لبوتقة صهر الثقافات القديمة. والأقليات الأخرى لا تتفهم السر في أن جماعات المهاجرين اللاتينيين يحتاجون إلى صناديق اقتراع مزدوجة اللغة وإلى مساعدة حكومية خاصة فيما يتعلق بالترجمة.

ولأن الولايات المتحدة تصبح بشكل متزايد أغلبية متناقصة من أحفاد الأوروبيين البيض ومزيجا متزايدا من عشرات الأجناس والأعراق، فإن الحاجة إلى لغة وثقافة مشتركة وموحدة لم تكن في أي وقت من الأوقات أهم مما هي الآن. وعندما يتطلع الأميركيون إلى الخارج نحو الفوضى العنيفة السائدة في البلقان، رواندا، دارفور والعراق، فإن مفهوم التأكيد على الفصل داخل الولايات المتحدة على أساس العرق، القبيلة، اللغة أو الدين لا يغدو له معنى على الإطلاق. ولكن فكرة السماح بدخول ما يكفي من المهاجرين الشرعيين الذين يمكن استيعابهم بسهولة هي فكرة معقولة بالتأكيد.

إذن كيف يؤثر هذا القلق الجماهيري إزاء الهجرة غير المشروعة في صفوف العديد من جماعات وأقليات الطبقة العاملة؟ بينما يظل هناك جدل حول برنامج الإعفاء والعمال الضيوف، فهناك الآن قدر محدود من الاختلاف حول القيام أولا بفرض القانون وإغلاق الحدود، سواء من خلال التحصين الدوري أو نشر المزيد من رجال دوريات الحدود أو العقوبات الأكثر صرامة على القائمين بتشغيل المهاجرين غير الشرعيين أو بطاقات هوية العمل.

في غضون السنوات الثلاث الأخيرة، وبينما لم أغير وجهات نظري فيما يتعلق بالحاجة إلى برنامج الجنسية المكتسبة أو الطابع غير العملي لترحيل 11 مليون مقيم في الولايات المتحدة بصورة غير شرعية، فإن جمهورا غاضبا قام بتمرير كتاب «مكسيفورينا». وهذا الكتاب الذي تم تصويره على نحو كاريكاتيري في وقت من الأوقات

باعتباره غير ليبرالي لمطالبته بوضع حد للهجرة غير الشرعية تتم قراءته اليوم بحسب انه طريق وسط ، إن لم يكن طريقا ممهدا. وإذا كان المتطرفون يواصلون التظاهر من أجل حدود مفتوحة، فإن هذا الجمهور الغاضب من الهجرة غير المشروعة سيبدو لسوء الحظ معتدلا بالمقارنة بما هو في الأفق.

خدمة «لوس أنجلوس تايمز»

خاص ل: «البيان»