الشخصانية هي النزعة الفردية التي تغلب فيها الذاتية على الرأي والعمل الجمعي المشترك. والمؤسساتية هي عكس ذلك، وتعني العمل الجماعي المشترك ضمن مؤسسات الدولة أو المجتمع تذوب فيه الفردية. ولأننا نعيش عصراً يُفترض أنه يقوم على المؤسسات في مجتمعاتنا الحديثة فإن دراسة ظاهرتي الشخصانية والمؤسساتية في العقل والسلوك العربي تصبح ضرورة وبخاصة عندما نرى ونعيش حياة تطغى فيها الفردية والذاتية على المؤسساتية.
من الصعب إنكار أن الفردية والشخصانية جزء من تراث العرب الثقافي، بيد أن سنة التطور والتقدم اليوم تفرض التخفيف من حدة الشخصانية في حياتنا على مستوى الأسرة والمدرسة والجماعة والمجتمع والدولة.إن تقدم المجتمعات لا يُبنى اليوم على بطولات الأفراد التي لا يقدر على تحمل أعبائها ومسؤولياتها فرد أحد، لذلك أصبح العمل الجماعي المؤسساتي هو الوعاء الذي تتضافر فيه جهود الأفراد لتحقيق إنجاز أو عمل أو مشروع في مجال ما.
لقد حلّت الشركات متعددة الجنسيات وعابرة القارات مكان نشاط الأفراد والتجار، وحلّت مؤسسات المجتمع المدني مكان النشاط الثقافي والسياسي والاجتماعي والمهني الفردي، كما حلّت مؤسسات الدولة مكان رجالات البلاط، وانفراد القادة بالقرارات، وأيضاً حل العمل الجماعي في البحث العلمي في المجتمعات المتقدمة.
نقر ونعترف بأن الشخصانية والفردية لا يمكن أن تفنى لمجرد سيطرة المؤسساتية وشيوعها، فستبقى وبخاصة في المجال الإبداعي إلا أن الأمل هو في سيادة المؤسساتية على الشخصانية والموضوعية على الذاتية.وقد يثير البعض ملاحظات نقدية مفادها أنه حتى العمل المؤسساتي يشكو من الشخصانية وأكثر من ذلك ما نراه في مجال العمل التطوعي الإنساني لدوافع وأهداف اجتماعية أو سياسية،
نعم هذه حقيقة نلمسها ونعيشها، وهي جزء من واقع اجتماعي نعيشه مرتبطا بموروث ثقافي لأمتنا، لكن مثل ذلك لا نراه في المجتمعات المتقدمة، حتماً مكاسب وإنجازات العمل المؤسسي أفضل وأجدى، إن تطورا كهذا نحو المؤسساتية سيكون مؤشراً على تقدم دولنا النامية لاجتياز التخلف.
لعل في ثقافتنا وسلوكنا مشكلة في هذه المرحلة التاريخية من حياتنا يعبّر عنها البعض بالنقد للشخصانية وفي الوقت نفسه يمارسها في الواقع، وهذه الازدواجية يعيشها بعضنا في كثير من مناحي حياتنا العربية فنقول الشيء ونعمل ضده في آن. إن البحث في أسباب مثل هذه الظواهر تقودنا إلى أن شعوبنا كانت متخلفة وهي اليوم نامية،
ولدينا تراكم هائل من الموروث الثقافي الذي يحتاج إلى غربلة ونقد ذلك الموروث لا يزال ينسحب على الحاضر ويؤثر فيه، فليس غريباً أن نرى مثل هذه الازدواجية في الإنسان العربي، وإن اختفائها وانتهائها يعتمد إلى حد بعيد على تقدم المجتمع ونضوجه الثقافي في إطار مناخ حر وديمقراطي.
لقد أفقدتنا نزعة الشخصانية في حياتنا فرصاً تاريخية عدة وأحبطت مشاريع مهمة بسبب الاستفراد أياً كان نوعه ومجاله تلك الفرص لو اقتنصت لكان الحال غير الحال في أوضاعنا العربية ولا مجال هنا لضرب أمثلة على ذلك وقد يتساءل البعض: أليس للشخصانية من إيجابيات والتاريخ شاهد على بعضها؟
للإجابة عن هذا السؤال يمكن القول إن المجتمعات قد مرت بمراحل عدة في مسيرتها نحو التطور، وكان ذلك التطور مرهوناً بطبيعة الظروف الموضوعية التي كانت سائدة في كل فترة، وقد تكون الشخصانية والفردية مهمة في حياة القبيلة التي أنجبت عنترة بن شداد وامرأ القيس، أو في البطولات الحربية وحتى في الإنجازات العلمية في مراحل من تاريخنا، لكننا نعيش عصراً مختلفاً يستحيل أن نحقق إنجازاً مجتمعياً أو حضارياً بالعمل الفردي بسبب تشعب مجالات الحياة وتخصصاتها وتفرعاتها الدقيقة.
فقد كان لدينا في السابق العالم الشامل مثل: ابن سينا والرازي وابن الهيثم وغيرهم، لكن لا يمكن أن يوجد أمثال أولئك بيننا اليوم، لذلك نقول قد يكون للشخصانية في بعض المجالات في الماضي تأثير معيّن لكن هذه ليست قاعدة نقيس عليها ويمكن أن تكون صالحة لكل زمان ومكان.
إن تفنيد رأي الذين يحاولون الدفاع عن الشخصانية يتطلب طرح بعض الأمثلة من الحياة العملية للتدليل على فشل الشخصانية في مجتمعاتنا المعاصرة. فعلى الرغم من دور البطل في التاريخ وإن تاريخنا قد شهد بطولات مثل: خالد بن الوليد وصلاح الدين الأيوبي، ومحمد علي وغيرهم إلا أن تلك العهود قد مضت، وحتى لو خرج هؤلاء اليوم لا يمكنهم ان يفعلوا شيئا مما كانوا يفعلون في عهودهم.
لدينا في العالم العربي تجارب عديدة لمحاولات العمل المشترك على مستوى الجامعة العربية، وعلى مستوى كل دولة عربية أو العمل الثنائي لكن معظم تلك المحاولات لم تثمر وتؤد إلى نتائج إيجابية، وكانت ولا تزال العقبة الأساسية المعرقلة للعمل العربي المشترك هي الشخصانية
لذلك بقيت كثير من الأسئلة بدون إجابة على سبيل المثال: لماذا لم تتحقق السوق العربية المشتركة؟ ولماذا لا يحدث الإصلاح السياسي الحقيقي في عالمنا العربي؟! ولماذا يستمر الفساد في مؤسساتنا ودولنا؟ ولنترك الأمور الكبرى جانبا، ونركز على الأخرى التي قد تعتبر صغرى لماذا نجد مثلا في أوروبا مشاريع عمل الفريق،
ونادرا ما نجدها في مؤسساتنا، وحتى لو وجدت في بعض المؤسسات تجد الاهتمام بها مرده الدوافع المادية وليس القناعة المبدئية بأهمية هذا المنهج المؤسساتي. وفي الجامعات العربية وفي مجال البحث العلمي لا يؤمن معظمنا بالعمل الجماعي أو المشترك بل الفردي وإن حدث فإن المجاملة والعلاقات الشخصية تجعل العبء على شخص أو بعض فرق العمل بينما تذكر الأسماء الأخرى دون جهد مبذول فيه وأحيانا مقابل أموال مدفوعة.
لقد تحدث كثيرون في مجال الاقتصاد والاجتماع والسياسة عن مأسسة المجالات كطريق للتحديث والتطور والتقدم، وطبقنا ذلك شكلا مع الأسف دون أن نطبقه في الجوهر، فأوجدنا آلاف المؤسسات في مختلف المجالات لكن تأثيرها في حياة مجتمعاتنا محدود، أو يستفيد من نتائج نشاطها قلة من الأشخاص ونعود حيث بدأنا لترسيخ الشخصانية.
إن الظاهرتين متناقضتين لكنهما متلازمتان فلا يمكن ان تعرف الشيء إلا بمعرفة ضده، فلا يمكن الحديث عن أحدهما دون التطرق للأخرى، كما أننا لا نتوقع في يوم من الأيام تحولا كاملا من الشخصانية في فكرنا وسلوكنا إلى المؤسساتية بصورة كاملة على الرغم مما تشهده المجتمعات الحديثة أو المعاصرة من تغيير.
والمطلوب لمواجهة هذه الإشكالية هو التخفيف من تأثير الشخصانية لصالح المؤسساتية ونحن قادرون علي ذلك لكن هل ندفع في هذا الاتجاه؟ الآن وبعد هذا النقد أو التقييم والتشخيص من حق القارئ أن يسأل وماذا بعد، وما هي الحلول؟ الإشكالية في الأساس تربوية ثقافية قيمية مجتمعية، إن التربية الأسرية قد بنيت على الفردية الأبوية تقليديا في مجتمعاتنا وانفرادها في القرارات،
وأن المدرسة لم تتمكن من غرس قيم ديمقراطية تؤمن بالعلم المؤسسي المشترك، وأن المثقفين قد فشلوا في دورهم التنويري للحد من الشخصانية وعلى العكس من ذلك قام بعضهم بتأكيدها وترسيخها بممارستها في حياتهم الثقافية. هنا تكمن العلة والحل في آن. إن ذوبان الشخصانية في العمل المؤسسي يتطلب نهجاً ديمقراطيا حقيقيا، وهذا يحتاج إلى ممارسة طويلة ونحن لم نبدأ أو نصل بعد على الرغم من إرهاصات الديمقراطية وتجاربها المحدودة في بعض أقطارنا العربية.
وبرأينا المتواضع ان دور المدرسة هام في المراحل التعليمية الأولى في غرس مثل هذه القيم. وهذا يتطلب منهجا دراسيا جيداً ومعلما جيدا، ثم يأتي دور المثقفين في حركة التنوير لتحقيق ذلك الهدف، وأخيرا يأتي دور صاحب القرار لتقنين ودعم ذلك النهج، وإلى أن يتحقق ذلك الحلم بإذن الله ستستمر شعوبنا تعاني من تفرد بعض الأشخاص في سياسة واقتصاد المجتمعات، وتبقى مأسسه مجالات حياتنا تلهث وراء الشخصانية أو في صراع معها وتدفع شعوبنا الثمن وأي ثمن ذلك الذي يحكم علينا بالتخلف في الوقت الذي نملك فيه إمكانية التقدم.
كاتب كويتي