بعد الحادي عشر من سبتمبر 2001 وإعلان الحرب على الإرهاب زادت الحملات المعادية للإسلام واغتنمت جهات عديدة الفرصة لتأكيد الصور النمطية ولتمرير الرسائل والصور والأفكار التي تشوه الإسلام وتفرغه من قيمه السامية ومن مبادئه الإنسانية الراقية.

وفي ظل العولمة انتشرت ثقافة الأقوى والأعظم على حساب الذي لا يملك والذي يستهلك ويستقبل فقط وبذلك انتشر مصطلح صراع الحضارات على يد منظرين أمثال توينبي وبرنارد لويس وصامويل هنتغتون وفرنسيس فوكوياما وغيرهم بالرغم من محاولات عديدة من مفكرين ينادون ويدعون لحوار الحضارات والأديان.

فهناك من يرى ويرّوج لفكرة أن الإسلام عبر التاريخ والحضارات كان وما يزال تهديداً قائماً وخطراً دائماً على الحضارات المغايرة له وأنه معادٍ للهويات والثقافات والديانات الأخرى. وفي ظل هذا التشويه والحرب النفسية اشتغلت ماكينات صناعة الرأي العام الغربية في تشكيل الوعي وقولبته وفق ما تمليه الأيديولوجية السائدة والتي تزعم أن الإسلام عدو الإنسانية وعدو الحضارة وهو ودين الإرهاب وإقصاء الآخر.

هل حان الوقت للرد على الافتراءات وعلى الإساءات العديدة الموجهة ضد الإسلام والمسلمين وتقديم الصورة الحقيقية للعرب والمسلمين للعالم بلغة العصر وبتكنولوجية الألفية الثالثة؟ ماذا أعد العرب والمسلمون للآخر لمحاورته وإعطائه الصورة الحقيقية للإسلام ولتاريخ الحضارة الإسلامية ولما قدمه هذا الدين السمح للبشرية جمعاء من قيم وأخلاق ومبادئ وعلوم.

لقد اهتزت صورة الإسلام والعرب في السنوات الأخيرة في الرأي العام الدولي بصورة خطرة جدا ساهمت في العديد من المرات في اتخاذ مواقف معادية وسلبية ضد الشعوب العربية والإسلامية ناهيك عن المضايقات والاعتقالات وسجن وإيقاف مئات الأبرياء في العديد من المطارات والعواصم العالمية بدون سابق إنذار ولا محاكمة ولا سبب واضح.

والمشكلة هنا تطرح على مستويين، المستوى الأول وهو الصورة الباهتة والضعيفة للإسلام داخل الدول الإسلامية نفسها حيث أن وسائل الإعلام العربية وقادة الرأي لم ينجحوا في احتواء الصور النمطية والآراء المشوهة والمضللة للإسلام والمسلمين، كما أن الإسلام السياسي وما أفرزه من تضارب الآراء والأطروحات ترك الشارع العربي والإسلامي في مفترق الطرق.

في ظل هذه التناقضات الحادة غاب العمل الإعلامي الهادف وغابت استراتيجية توجه القنوات الفضائية العربية للتركيز على الإنتاج وتقديم المادة الإعلامية الهادفة وتزويد الجمهور المستقبل بالرصيد المعرفي والثقافي والديني والحضاري حتى لا يضيع في وسط التدفق الإعلامي العالمي الذي لا يعرف حدوداً ولا قيماً ولا ديناً.

وفي خضم العولمة والثورة المعلوماتية جاءت غالبية الفضائيات العربية لتكرس التبعية وتذوب في الثقافة العالمية وفي الآخر وتنجرف مع التيار بدون إدراك ولا وعي، وأصبح هدفها هوالبث فقط وبث أي شيء بغض النظر عن من هوالمنتج وما هي هويته وماذا يحمل من قيم في هذه المادة المعلبة.

فالعمل الاستراتيجي على المستوى العربي في ميدان الإعلام يكاد ينعدم تماما واللجنة المنبثقة عن جامعة الدول العربية لم تستطع أن تواجه التحديات خاصة وأن على مستوى كل دولة نلاحظ غياب وضوح الرؤية وغياب بوادر وإرهاصات استراتيجية ترقى إلى الدور الاستراتيجي للإعلام سواء على المستوى المحلي أوالإقليمي أوالدولي.

وفي ظل غياب استراتيجية واضحة لا يستطيع الإعلام العربي مواجهة التدفق الإعلامي الغربي والثقافة العالمية والثورة المعلوماتية والغزوالثقافي. فهذه الأمور كلها بحاجة إلى عمل وتخطيط وتدبير مسبق يعتمد على الدراسة والبحث العلمي وعلى ميزانيات معتبرة وإنتاج في مستوى المنافسة والجودة العالمية.

فأي عمل وأي قرار لا يعتمد على مدخلات صحيحة ومعلومات وافية يكون مآله الفشل وعدم القدرة على منافسة الأخر. فالإعلام الذي تنقصه الحرية لا يستطيع أن يتوفر على المصداقية ولا يستطيع أن يواجه التحديات المختلفة في عصر العولمة والصناعات الثقافية العالمية.

لقد خسر العرب والمسلمون المعركة الإعلامية منذ عقود من الزمن ولم يبق أمامهم سوى التخطيط العلمي والاستراتيجي لخوض هذه المعركة التي تؤهلهم لعولمة الإسلام وعولمة ثقافتهم وتاريخهم وحضارتهم وأن يجدوا موقعا لهم على الخريطة العالمية وإلا سيكون مصيرهم التهميش والتضليل والتشويه.

يواجه الإعلام العربي تحديات مهمة حيث أنه مطالب بحماية المشاهد العربي من التدفق الإعلامي الغربي ومن التشويه والنمطية وفبركة الواقع حسب أهواء ومصالح القوى الفاعلة في النظام العالمي، هذا من جهة، ومن جهة أخرى فهو مطالب بإبراز الهوية العربية الإسلامية والثقافة والحضارة والوجود العربي الإسلامي عبر ما يبثه من برامج وإنتاج فكري وأدبي. فهناك إذن تحد حضاري وتحد اجتماعي قيمي.

فإلى أي مدى سينجح الإعلام العربي في تحقيق مهمة الدفاع عن الهوية الإسلامية وعن التاريخ والحضارة العربية الإسلامية ؟ وهل اجتمعت وتوفرت الشروط والمستلزمات لإعطاء البديل ولتقديم ما من شأنه أن يصحح الصور النمطية والتضليل والتشويه ويجيب على الأسئلة العديدة التي تخطر ببال المشاهد الغربي والعربي والمشاهد المسلم في مختلف بقاع العالم.

هل يستطيع الإعلام العربي أن يتحدى الواقع ويقدم رسالة إعلامية هادفة وجيّدة في قالب يكون بعيدا عن الرتابة والركاكة والروتين. هل يستطيع الحد وإيقاف ذوبان التراكم القيمي والمعرفي والاجتماعي للمسلم في الثقافة العالمية؟ هل يستطيع الإعلام العربي مواجهة الغزو الثقافي والرد على مظاهر الاغتراب والذوبان في الغير؟

نجاح الإعلام العربي والإسلامي الموجه للآخر يعتمد على التخطيط الاستراتيجي وتحديد الأهداف والوسائل الضرورية لتحقيق هذه الأهداف، وكذلك تسخير كل الإمكانيات والطاقات للإنتاج الجيد والهادف. ومن أهم السبل للنجاح وتحقيق الأهداف المرجوة التركيز على البحث العلمي

وتكوين وتدريب الكوادر وتخصيص الموازنات الضرورية للإنتاج وتشجيع اشتراك القطاع الخاص في الإنتاج الإعلامي والصناعات الثقافية. الكرة إذن في معسكر العرب والمسلمين لتسويق صورتهم وتقديمها للعالم كما هي وليس كما «يفبركها» الغرب وتجار الحروب والأسلحة.

غيرت أحداث 11 سبتمبر ومن قبلها انهيار الاتحاد السوفييتي والمنظومة الاشتراكية اهتمامات الغرب، من الأيديولوجية الشيوعية إلى الإسلام، هذا الدين الذي ينتشر في 55 دولة ويعتنقه أكثر من مليار وثلاثمئة مليون نسمة إضافة إلى أنه ينتشر بسرعة كبيرة في معظم العواصم الغربية. الإشكالية تحتاج إلى إجراءين اثنين.

الأول يتمثل في مواجهة حملات التشويه والتضليل والدعاية والحرب النفسية وهذا يحتاج إلى عمل استراتيجي علمي ومنهجي يقوم على هندسة الإقناع ولغة الأدلة والحجج والبراهين والمنطق. أما الإجراء الثاني فيتمثل في الاستغلال الأمثل للمكانة التي تحتلها البلاد الإسلامية في الخريطة الاقتصادية العالمية فمن بين تسعة بلدان تشكل دول المحور هناك خمس دول إسلامية، وهي الجزائر وتركيا وباكستان واندونيسيا ومصر، تحسب لها أميركا حسابات كبيرة في سياستها الخارجية.

لقد زادت أحداث 11 سبتمبر من حدة صراع الحضارات لكنها في نفس الوقت دفعت بعشرات الآلاف في الغرب لدراسة الإسلام وفهمه والتعرف على الآخر والتحاور معه. فالعالم اليوم شرقه وغربه أمام تحديات كبيرة جدا تتمثل في الحوار والتفاهم من أجل الأمن والاستقرار وإيجاد نظام عالمي عادل ومتكافئ ينعم فيه الجميع بالاحترام المتبادل والتعايش السلمي.

كلية الاتصال

جامعة الشارقة