الصورة السائدة عن عراق اليوم أنه تحوّل منذ احتلاله في ربيع 2003 إلى بلد مقطع الأوصال، النزيف المتواصل الذي أصابه، جعله في حالة يرثى لها. صار كناية عن أشلاء، منهك القوى، مهدود المفاصل. الدمار أصاب فيه وبقسوة، كل مناحي الحياة والعمران. وهي صورة قاتمة، كالحة؛ تبعث على الأسى والألم. لكن، مع ذلك، عندما تظهر الأرقام التي تسبب بها هذا النزيف تأخذ الصورة لوناً أشد سواداً؛ بحيث يختلط الأسى بالرعب خاصة إذا كانت الأرقام صادرة عن مرجعيات تحظى بالثقة والمصداقية.

أمس نشرت مجلة «لانسيت» البريطانية دراسة تفيد بأن العراق خسر منذ اجتياحه 655 ألف قتيل؛ معظمهم سقط بالعنف، أي بمعدل 500 قتيل في اليوم! أو ما يعادل 5 ,2% من عدد سكان البلد! الدراسة أجريت في الفترة ما بين مايو وأوائل يوليو الماضيين، قام بها فريق من 8 أطباء عراقيين مع مجموعة من الباحثين المتخصصين في جامعة جان هوبكنز الأميركية ـ القسم الطبي.

أحد هؤلاء الباحثين قال إن فريقه «واثق جداً من الأرقام». والمعروف أن الجامعة هذه هي من بين المراكز العلمية العريقة في الولايات المتحدة والمشهود لها باستقامة وعلمية ما يصدر عنها من أبحاث ودراسات. الرقم مخيف، يؤشر إلى نوع من الإبادة ولو البطيئة، والمفاجئ فيه أيضاً أنه جاء في أعقاب أرقام متواضعة كان الرئيس بوش قد أدلى بواحد منها في ديسمبر الماضي عندما قال إن العدد لا يتجاوز الثلاثين ألفاً(!) من العراقيين.

ثم كانت دراسة بريطانية قد ذكرت أن الذين سقطوا في العراق خمسون ألفاً! وعاد الرئيس بوش أمس إلى أرقامه معرباً عن عدم ثقته بالدراسة التي ربما فاجأته هو الآخر وكشفت أو بالأحرى فضحت زعماً آخر من مزاعمه العراقية.وتأتي هذه الدراسة التي نزلت نتائجها نزول الصاعقة، بالتزامن مع أرقام أخرى مرعبة حول اللاجئين العراقيين في وطنهم، فحسب عمليات مسح ميدانية يبلغ عدد هؤلاء حوالي ثلاثمئة ألف عراقي يعيشون اليوم في مخيمات، بعدما هجروا أماكن سكنهم خوفاً على حياتهم!

كل هذه الأرقام احتلت عناوين الصحف والنشرات الإخبارية، لما تعكسه وتنطوي عليه من أخطار ماحقة، على العراق والعراقيين، والأنكى أنه بالرغم من وطأة هذا الواقع، الذي يفوق أية قدرات على الاحتمال لا يزال الوضع السياسي يراوح مكانه، في أحسن الأحوال ناهيك بالحالة الأمنية المتفاقمة، على غير انقطاع.

كان اقتراب موعد مؤتمر «صلح مكة» ـ المقرر بعد أيام ـ قد أشاع جواً من التفاؤل بعدما وافقت جميع الأطراف المعنية على المشاركة فيه. لكن عادت أجواء التأزيم إلى الساحة أول من أمس مع تصويت المجلس الوطني على قانون الأقاليم ـ أي الفيدرالية ـ في غياب حوالي نصف الأعضاء.

الأمل أن لا يؤدي هذا التدبير إلى التأثير سلباً على لقاء مكة، كما أن لا يؤدي إلى زرع عراقيل جديدة في طريق عقد المصالحة الوطنية وتحريم سفك الدم العراقي؛ والتي طال انتظارها. لقد صار من الثابت أن مفتاح الانفراج موجود في صندوق الصلح السياسي الوطني والتوافق حول مقومات البلد لإعادة بناء دولته. بخلاف ذلك تكون أرقام الدراسة مقدّمة لأرقام مضاعفة لا قدّر الله.