بالرغم من الجهود التي قام بها نائب رئيس الوزراء وزير الخارجية القطري الشيخ حمد بن جاسم بن جبر آل ثاني في كل من دمشق وغزة من اجل التقريب بين الاشقاء الفلسطينيين والتوصل الى مخرج من المأزق الراهن، وبالرغم ايضا من جهود عربية اخرى عديدة بذلت وتبذل من اجل انهاء الخلافات الفلسطينية التي تعطل السير نحو انهاء الحصار المفروض على الشعب الفلسطيني واستعادة الاستقرار والهدوء ولو النسبي للساحة الفلسطينية، الا انه يبدو ان الاشقاء الفلسطينيين لا يزالون على مسافات لا تمكنهم من التوصل الى التوافق والى نقاط اتفاق يلتقون عليها ويعملون من اجل تحقيقها سويا.
ومع التأكيد على انه من غير الممكن القول بان تلك الجهود قد ذهبت سدى، او انه تم الوصول الى طريق مسدود، او انه لا فائدة من العمل والمحاولة، او ان فرصة الساعة الاخيرة انتهت، لان ذلك يعني ببساطة فتح الباب على مصراعيه امام احتمالات لا يمكن الا ان تثير القلق على الساحتين الفلسطينية والعربية، فانه من المهم والضروري ان تستمر الجهود والمحاولات العربية المخلصة من اجل تضييق الفجوة بين حركتي فتح وحماس او بين الحكومة الفلسطينية برئاسة اسماعيل هنية وبين الرئاسة الفلسطينية والرئيس محمود عباس.
ولعل ما يجعل من الضروري العمل والعمل بجدية وبأقصى طاقة ممكنة ليس فقط البناء على ما بذل من جهود مشكورة، ولكن ايضا لان توقف او تعثر هذه الجهود من شأنه ان يهيئ الفرصة لمواجهات وصدامات بين القوى الفلسطينية ولاراقة دماء محرمة وهو ما يزيد من تعقيد الاوضاع والمشكلات الفلسطينية اكثر مما هي معقدة من ناحية، ولان ذلك من شأنه ايضا اذا حدث ان يباعد بين الفرقاء الفلسطينيين وان يزيد من فجوة المواقف والرؤى فيما بينهم بكل ما يمكن ان يترتب على ذلك من نتائج هم في غنى عنها من ناحية ثانية.
وامام هذه المعضلة الشائكة والمعقدة والتي تزداد تعقيدا باستمرار الحصار وتفاقم المشكلات الداخلية الفلسطينية اقتصادية واجتماعية وصحية وفي كل المجالات، فانه لا ينفع ان يلقي كل طرف المسؤولية على الطرف الاخر او ان تلجأ فتح وحماس الى تبادل الاتهامات والقاء اللوم على الطرف الاخر، كما انه من غير المفيد ان تنحدر لغة الحوار بين المسؤولين الفلسطينيين سواء بضغط الانفعال او لاسباب اخرى. لان هذه الممارسات التي يجب الارتفاع والتسامي عليها تصب المزيد من الزيت على النار وتسهم في تأجيج المشاعر والدفع بالشارع الفلسطيني نحو الاستقطاب الحاد والتوتر.
ولذا فانه من الاهمية بمكان ان تمتنع الاطراف الفلسطينية، وخاصة فتح وحماس عن الاساليب الدعائية في التعامل مع الموقف وان تلتزم بلغة حوار رصينة اذا كانت حقا حريصة على المصالح الفلسطينية العليا وليس مصالح هذه الحركة او تلك.
من جانب اخر فانه بغض النظر عن التصريحات المتضاربة والمتناقضة بين حركتي فتح وحماس حول العديد من القضايا والامور الفلسطينية، فانه لا مفر من مواصلة السعي لتشكيل حكومة وحدة وطنية، ليس فقط كمخرج من الازمة الراهنة، ولكن ايضا كسبيل لاستجماع القوى الفلسطينية ولحشد طاقات الشعب الفلسطيني للتعامل مع التطورات والتحديات الراهنة بدلا من تشتيت هذه الطاقات في خلافات ومنازعات لا يمكن ان تفيد الشعب الفلسطيني لا اليوم ولا غدا ولا على اى صعيد.
ومع الوضع في الاعتبار ان هناك تأثيرات عديدة يتعرض لها الفلسطينيون من جانب اطراف عربية وغير عربية لها ايضا حساباتها ومصالحها، الى جانب الدور التخريبي الذي تقوم به اسرائيل، الا ان ذلك كله يجعل من المهم والضروري ان تقوم الاطراف الفلسطينية بدورها ومسؤوليتها في العمل لتقريب المواقف ولصنع التوافق والالتقاء حول المصلحة الفلسطينية العليا التي هي مصلحة الشعب الفلسطيني في المقام الاول اليوم وغدا.
اما حشر المصلحة الفلسطينية في مصلحة هذا الفصيل او ذاك فانه افتآت على مصالح الشعب الفلسطيني واختزال لنضاله الطويل وهو ما لا يحق لاي طرف القيام به تحت اي ظرف من الظروف.