لأميركا وجوه عديدة، منجزات علمية وثقافية لم تصل لها معظم بلدان العالم، واقتصاد جبار تتقهقر أمامه أرقام ميزانيات دول عديدة، ومشاريع فضائية تعدت غيرها من المنافسين، لكن الوجوه الأخرى أكثر قتاماً وسواداً، حيث أظهرت دراسة مستقلة حول القتلى العراقيين منذ الغزو أن عدد المذبوحين من المدنيين وغيرهم وصل إلى 655ألفاً.

وهو رقم مفزع، أي أن جميع جرائم صدام وضحايا حروبه في العقود التي حكم بها العراق، لم تصل إلى هذا الرقم بزمن قصير مثلما سجلته نتائج الاحتلال، وقد تكون الإحصاءات اللاحقة في أفغانستان رقماً آخر مخيفاً، يتبعها ما قتل بالأسلحة الأميركية بواسطة إسرائيل للفلسطينيين، واللبنانيين، وقبل ذلك محو قرى ومدن وغابات فيتنامية.

هناك ضحايا غير مرئية صورهم من المدخنين، والتي ترفع سقف إنتاجها وتصديرها الشركات الأميركية، وكذلك ما صدر عن علماء المناخ باعتبارها أكبر الملوثين للجو، وإحصاءات الصحة العالمية، ومنظمات الأغذية تدين صناعتها للأطعمة وتعميمها على العالم في مطاعم الأكلات السريعة، وتدين أضرار المشروبات الغازية، واحتكار الأدوية المعالجة للإيدز، وأضرار أسلحتها التي استخدمتها في اصطياد دبابات العراقيين وغيرهم مما سمي بأسلحة اليورانيوم المخصب والتي لا تُعرف أضرارها ونتائجها على الإنسان والطبيعة، إلا بمرور سنوات طويلة..

بالمقابل توجد قوائم لمشاريع إنسانية تعنى بالبحوث في معالجة أمراض مستعصية، أو قروض ومعونات لشعوب متعددة الأعراق والجنسيات، لكنها تفترض شروطاً للقوة العظمى ذات المصالح أي أن توقيع أي اتفاق على معونات أو قروض، مرهون بالعائد من الفوائد السياسية أو الاقتصادية عليها..

وإذا قلنا إن شواهد التاريخ دانت جميع الإمبراطوريات الغازية والمهيمنة، بأنها تصرفت من خلال فرضيات بسط النفوذ بالقوة، فإن أميركا، لا تزال تحارب على الخارطة الكونية كلها، أي أنها من يسيِّر مجلس الأمن بفرض العقوبات على شعوب، أو مقاطعتها، وفرض حصار عسكري على قوى تتعارض معها أيدلوجياً، وتحررت من قبضتها.

وحتى الحلفاء، لا يعاملون بالندية والتساوي بالحقوق المادية والاقتصادية، وأن سفراءها في دول متقدمة، يجدون أنفسهم بموازاة الحكومات الشرعية، بمحاولة إعلان وصايتهم على تلك الحكومات، وقد حدث ذلك بمحاولات جر دول أوروبا إلى مستنقعات عديدة، ولكن بعضها رفض، وآخر انساق مثل بريطانيا، وإيطاليا وأسبانيا، ومع ذلك تراجعت عندما شعرت أن تورطها بالعراق خلق تياراً لعداء جلب الإرهابيين لتلك الدول، بمباركة مشاركتها غزوه..

صحيح أن الإمبراطوريات العظمى لا تقدم الحسنات على السيئات، بحيث تعمل وفق قانون إنساني بعيداً عن التعديات والممارسات اللاأخلاقية، لأن من يملك القوة يفرضها عقوبات على غيره، وهذا مسار السياسة الأميركية الراهنة، وقد يكون خلفها أسوأ منها..