بين اعتراف الرئيس الأميركي بأن العراق يواجه أوقاتا عصيبة، وبين التقرير المرعب الذي تحدث عن 655 ألف حالة وفاة في العراق منذ الغزو الأميركي يوم 18 مارس 2003، ندرك أن العراق في وضع متدهور لا يبشر بأفق مزدهر.

فهذا العدد المهول من حالات الوفاة هو نتيجة طبيعية للتدخل العسكري الأميركي الذي غير مبرراته من نزع أسلحة الدمار الشامل إلى تثبيت الديمقراطية إلى محاربة الإرهاب وجعل العراق جبهة مركزية في هذه الحرب.

هذا العدد الكارثي هو حصيلة التدخل الأميركي في العراق، فكانت الشعارات براقة بجعل العراق نموذجا للازدهار في المنطقة، لكن الحصيلة الميدانية هي أن العراق يقف على أبواب التقسيم بعد إقرار مشروع قانون تشكيل الأقاليم.

وأخبار الموت التي لا يكاد يمر يوم إلا ويرد خبر بالعثور على عشرات الجثث التي تحمل آثار التعذيب، والتفجيرات المستمرة التي تستهدف القوات الأميركية والعراقية، ووجود حكومة لم تنجز شيئا للمواطن العراقي، بل يصل الأمر لهروب وزير سابق عمل في إحدى حكومات العراق الجديد ولجوئه إلى السفارة الأمريكية بسبب قضايا الفساد التي صار يعج بها العراق.

وإذا شئنا دقة الوصف، فقد كان على الرئيس الأميركي أن يعترف بأن الإدارة الأميركية هي التي تواجه أوقاتا عصيبة، فهي ظلت عاجزة لمدة ثلاث سنوات ونصف عن تهدئة الأوضاع، بل إن الوضع خرج عن السيطرة فعلا، فالقادة العسكريون الأميركيون يقدمون تصريحات متباينة عن مدة بقاء جيشهم بالعراق.

فمرة يحددون المدة بسنة أو أكثر بقليل ومرة أخرى يحددون 2010 تاريخا للمغادرة، كما أعلن قائد أركان القوات الأميركية أن الجيش الأميركي يعتزم إبقاء مستوى القوات مرتفعا في العراق حتى عام 2010 على أقل تقدير، وهذا لا يدل سوى على غياب صورة واضحة عن سير الأمور.

ثلاث سنوات ونصف شهدت ارتفاع وتيرة الهجمات وازدياد قوتها، بدلا من انحسارها كما بشر وزير الدفاع الأميركي دونالد رامسفيلد عشية الغزو عندما طمأن الأميركيين بتشبيه عمليات المقاومة الأولى في العراق بما حدث في ألمانيا نهاية الحرب العالمية الثانية وقال إنها ستستمر بضعة أشهر فقط ليبدأ بعدها بناء العراق، لكن العراق لم يشهد سوى الدم والهدم، وأصبح محورا التف حوله أعداء أميركا وساحة توتر تهدد بانتشار العنف خارجه.

هذه هي الانجازات الميدانية للإدارة الأميركية في العراق وهذا ما يعيشه المواطن العراقي وليس غير ذلك، ورغم هذه الصورة المأساوية فإنه يمكن لإدارة بوش أن تراجع أخطاءها، أما إذا استمرت في الهروب إلى الأمام مثل نهجها منذ الغزو، فإن القادم أخطر وأسوأ.