من المفهوم أن يستقبل جورج بوش أخبار النجاح النووي لكوريا الشمالية بأعلى درجات الغضب الأميركي. ومن حق اليابان التي لا تملك رادعاً عسكرياً حتى بالمفهوم التقليدي أن تنزعج إلى درجة الذعر، لكن لا أجد سبباً وجيهاً واحداً لأن تنزعج أمة العرب والمسلمين. على العكس تماماً.. فإن للعرب والمسلمين أن يفرحوا.

في تعليقه على الحدث النووي الكوري قال بوش أولاً إن كوريا الشمالية أصبحت تشكل استفزازاً وتهديداً للسلام والأمن الدوليين. وهذا قول يدخل في باب الدعاية اللفظية فارغة المضمون، ولكن انظر في الجزء الأخير من تصريح الرئيس الأميركي. هنا يقول بوش إن نظام كوريا الشمالية يظل واحداً من أبرز العوامل في العالم المؤدية إلى نشر تكنولوجيا الصواريخ البالستية حاملة الرؤوس النووية بما في ذلك نقلها إلى إيران وسوريا.

هذا هو الخوف الأميركي الحقيقي: أن تعمد كوريا الشمالية إلى تصدير تكنولوجيا وتجهيزات تصنيع الأسلحة النووية إلى دول عربية وإسلامية. فالأمن الدولي ليس على رأس اهتمامات الإدارة الأميركية وإنما هاجسها الأول والأعظم هو أمن إسرائيل.

لقد حذر الرئيس الأميركي كوريا الشمالية بوضوح من نقل أي سلاح نووي أو مواد نووية إلى «دول أخرى». لكن تحذيره شمل أيضاً «كيانات أخرى». ولا تفسير لهذه العبارة الأخيرة سوى أن الولايات المتحدة أصبحت متخوفة أيضاً من أن أسلحة كوريا النووية قد تجد طريقها إلى جماعات كحزب الله اللبناني أو تنظيم «القاعدة» في مستقبل قريب أو بعيد.

هل يليق إذن بالأمة العربية أو الإسلامية أن تستشعر قلقاً تجاه القوة النووية العالمية الجديدة المتمثلة في كوريا الشمالية؟

ولكن ماذا بيد الرئيس الأميركي أن يفعل تجاه كوريا الشمالية؟

لا شيء.

لقد دعت إدارة بوش مجلس الأمن الدولي إلى «تحرك فوري». واقترحت رسمياً على المجلس أن يجيز قرارا ينص على فرض عقوبات على كوريا الشمالية النووية بموجب الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة.

وحتى لو افترضنا تبلور إجماع بين القوى الدولية صاحبة الفيتو رغم تحفظ من الصين وروسيا فإنه ليس من المتصور أن تكون النتيجة قراراً دوليا بشن حملة عسكرية شاملة على كوريا الشمالية . فأولاً هذه مخاطرة جسيمة.. وثانياً كيف يستقيم إعلان حرب على دولة باتت تملك رادعا نوويا علما بان الترسانة الكورية تتكون من خمس أو عشر قنابل نووية.. وعلماً بأن هذا تقدير أميركي.

أغلب الظن أن مجلس الأمن سيكتفي بفرض عقوبات اقتصادية، لكن هذا لن يغير من حقيقة أن كوريا الشمالية أصبحت بالفعل قوة نووية.. وبالتالي يستحيل دفع العجلة للوراء. ونستذكر أن مجلس الأم سبق أن تبنى قراراً بهذا المضمون.. وكان النتيجة صفراً.

ثم إن دولة كوريا الشمالية التي تطبق نظاماً اشتراكياً لمدى ما يقارب نصف قرن حتى الآن مكتفية ذاتياً في كل شيء. وما يشاع من أنها تشكو من نقص غذائي إلى درجة انتشار مجاعة دحضة العام الماضي مسؤول كبير في منظمة الأغذية والزراعة (فاو) التابعة للأمم المتحدة بعد أن قام بجولة مطولة في البلاد.

وبعد.. فإن الجزع الأميركي ينبغي أن يقابله فرح عربي وإسلامي.