أخيراً اكتشفت وزيرة الخارجية الأميركية كوندوليزا رايس خبال خطتها لجعل الحرب الأميركية ـ الإسرائيلية على لبنان، رحما لحمل سفاح، فلقد أجهض جنين الشرق الأوسط الجديد، من وقع زلزال انتصار المقاومة بقيادة حزب الله، مثلما أجهض جنين سابق للشرق الأوسط في منتصف الخمسينات من القرن الماضي وجرفه المد الثوري التحرري بقيادة الزعيم الراحل جمال عبدالناصر.

إجهاض حمل الشرق الأوسط الجديد السفاح، وخيبة أمل رايس وباقي صقور إدارتها من المحافظين الجدد،الليكوديين الصهاينة، حول دفة التحرك الأميركي باتجاه خلق محاور جديدة في الوطن العربي، والعمل على تقوية ودعم وتعزيز محور المعتدلين، وإضعاف وحصار محور المتطرفين، لدرجة تجعله يتفكك ويتحلل ويتلاشى، وتؤول الأمور للمعتدلين وتصبح الأرض ممهدة لصياغة الشرق الأوسط الجديد والأكبر.

على إننا يجب ألا نركن لهذه اللغة المخاتلة الملتبسة التي تخلط الردئ بالجيد، القبيح بالحسن، الحق بالباطل، وان نبحث عن المعنى الحقيقي لمصطلحي الاعتدال والتطرف، وفقا لقاموس هذه الإدارة الأميركية ولميراث المشاريع الشرق أوسطية في وطننا العرب.

مع كل نذير شؤم بقرب ميلاد شرق أوسط جديد، يعلو الحديث عن ضرورة الجنوح إلى الاعتدال، وجعله ركيزة للحكمة المنجية من المهالك، وطريقا وحيدا للبقاء، وتثار ضجة تحذرنا من خطر التطرف السياسي، وجعله مرادفا للجنون والحماقة المدمرة لفرص الوجود على خريطة العالم.

ومن بديهيات الفكر السياسي ان التطرف والاعتدال مصطلحان نسبيان، يتوقف معناهما على السياق التاريخي والاجتماعي والمحيط الثقافي الذي تظهر فيه، فمن الممكن ان يصبح موقفا أو سلوكا ما معتدلا وفى ظرف مغاير يتحول إلى التطرف، يضاف إلى ذلك حقيقة ان الاعتدال والتطرف مرتبطان، فكل نقيض يستدعي نقيضه.

فإذا كنا نتحدث عن سعي طرف دولي للهيمنة والسيطرة على أمم وشعوب، فإن الرافض لهذه الهيمنة يصبح متطرفا في نظره، يستحق الملاحقة والعقاب، ومن يقبل بها يشار إليه على انه معتدل ويشاد بحكمته، التي يراها أهله مجرد خنوع ذليل وعمالة مرذولة.

دون تعقيدات يتضح لنا ان المقصود بالاعتدال هو الإذعان والخضوع لكل الأطروحات الأميركية، والمشي على صراطها غير المستقيم، والاجتهاد في تقديم كل فروض الولاء والطاعة، حتى ان تعارضت مع فروض العقيدة الإسلامية والهوية العربية والمصلحة الوطنية القطرية، فالمهم ان يحصل المعتدل سواء كان حاكما أو ناشطا غير حكومي أو إعلاميا على شهادة حسن السير والسلوك، وعضوية نادي (المعتدلين).

أما هؤلاء القابضون على جمر المقاومة والدفاع عن سيادة الوطن وقيم الدين وهوية الأمة، فهم في نظر السيد الأميركي والليكودي مجرد متطرفين، يوضعون على قائمة الإرهاب الدولي.

والهدف المعلن لسياسة المحاور الجديدة، هو تهيئة الأجواء لتحقيق التسوية السلمية بين الفلسطينيين وإسرائيل، وحماية الاستقرار في المنطقة، والتصدي لخطر داهم يتمثل في قرب امتلاك إيران لأسلحة ردع نووية.

ومع انتهاء الجولة الأخيرة للحرب على لبنان، وانكشاف حالة التخبط والضعف التي كانت مخبأة خلف غلالة وهم القوة الإسرائيلية التي لاتقهر، والفشل الذريعة لدبلوماسية السيدة رايس، وخيبة الرهان على حلف التبعية لواشنطن، وبزوغ قوة التأييد الشعبي لحلف المقاومة والاستقلال، طرحت فكرة تقسيم العرب كنظام رسمي إلى معسكرين: المعتدلين في مواجهة المتطرفين.

وفى هذه الحالة، لن يجد المخطط وصانع القرار الأميركي سوى سوريا لوضعها في خانة محور التطرف، إلى جانب إيران، ويضاف إليهما من معسكر القوى الشعبية حزب الله وحركة حماس وحركة الجهاد والجبهة الشعبية في فلسطين، ومن سار على الدرب من التيارات القومية والإسلامية في بقية الأقطار العربية.

في المقابل تزدحم الأجندة بكل ألوان طيف المعتدلين على قمة هرم السلطة العربية وفى الشارع من حركات وتنظيمات انتهت مدة صلاحيتها التاريخية، وتكلست، ونخر سوس الوهن في عظامها، وفقدت بوصلتها، وتشوه بنيانها، وأصبحت جسداً له خوار، غير قادر على الفعل، واحتل الانتهازيون والفاسدون مواقع الثوار. واستحقوا عن جدارة وصف العدو لهم بالمعتدلين.

غير أن هذا لا يعكس حقيقة موازين القوى بين من تعتبرهم واشنطن معتدلين في مواجهة من تراهم متطرفين، تاريخيا وبقراءة مستقبلية نجد ان معسكر التبعية والخنوع للهيمنة الأميركية الإسرائيلية في حالة جزر، وتراجع وأفول، يرشح أطرافه للسقوط وللزوال في يوم غير بعيد، فيما تتصاعد حركة مد معسكر المقاومة والنهوض، وتتشكل آليات جديدة لحركتها.

وأقوى مؤشر على استحالة الاعتدال العربي وفقا للمفهوم الأميركي، اندفاع غير عاصمة عربية رسميا إلى رفض فكرة تقسيم العرب إلى معسكرين، وهو ما أعلنه وزراء الخارجية العرب الذين اجتمعوا في القاهرة مع السيدة كوندي.

الخلاصة أن الاعتدال على الطريقة الأميركية لن يجلب لأي نظام عربي سوى المزيد من المهانة والذل بدرجة تفوق قدرته على احتمال تبعاتها أمام شعبه، بل وتهدد وجوده ذاته.

هذه حقيقة، وعلى من ينكرها أن يجول بنظره سريعاً على خريطة الوجود الأميركي في منطقتنا، ويدرك أنهم ـ الأميركيين ـ لم يتركوا فرصة لأي راغب في الاعتدال سوى الوقوف في طابور «المنبوذين» الذي يقف على رأسه العميل لحد ولا نعرف من سيلحق به.