كان السفير الأميركي لدى كابول رونالد نيومان على يقين بأن صيف هذا العام كان سيكون دموياً، كما قال لمجلة دير شبيغل الألمانية في مايو الماضي في مقالة نشرت حديثاً (29/9)، إذ قال: «كان هناك أربع عمليات انتحارية في العام 2004 وسبع عشرة عملية انتحارية في العام 2005 ، أما هذا العام فإن هدف طالبان تنفيذ 500 عملية انتحارية».!!

ويبدو أن كلام السفير لم يكن بعيداً عن الواقع، فمنذ أسابيع قليلة وصلت عمليات طالبان إلى قلب كابول، بل إلى مدخل وزارة الداخلية!!

هذا عدا عن زراعة الألغام على الطرق العامة، ومهاجمة المراكز الحكومية واقتناص قوات حلف الناتو وقتل الأجانب وكان آخرهم صحفيتان ألمانيتان قتلتا في شمال البلاد هذا الأسبوع. وفي مقابلة مع حميد كرزاى أجرتها البي بي سي (6/10) قدر عدد من قتلوا من المواطنين الأفغان على أيدي قوات طالبان بأربعة آلاف شخص خلال هذا العام.

وليست طالبان رجال الملا عمر وحدها التي تقود المقاومة ضد قوات الناتو، بل يشاركها أيضاً فلول قلب الدين حكمتيار فضلاً عن المجاهدين القادمين من البلاد العربية ومن المناطق الآسيوية، وفوق هذا وذاك تجار المخدرات الذين أخذت تنتعش تجارتهم بفضل ضعف السلطة المركزية أو في كثير من الأحيان غيابها في معظم المناطق النائية في أفغانستان.

ومن المفارقات أن الغرب في صراعه مع الاتحاد السوفييتي الذي كان يحتل أفغانستان كان يدعم حكمتيار الذي كان نصيبه نصيب الأسد في مساعدتها المادية، في حين أن جلال الدين حقاني القائد الميداني الحالي لقوات طالبان قد تلقى وساماً من الغرب بوصفه مقاتلاً من أجل التحرر من نير الاحتلال السوفييتي!

وتجدد بروز طالبان وحلفائها المناوئين لحكومة كرزاى على مسرح الأحداث في أفغانستان ليس بفعل قوة هؤلاء الذاتية فحسب، بل بدعم من المخابرات الباكستانية، كما باتت دوائر حلف الناتو تزداد اقتناعاً في الآونة الأخيرة.

فقائد قوات الناتو البريطاني ديفيد ريشارد سيكون في باكستان هذه الأيام لتقديم أدلة دامغة رصدتها الأقمار الاصطناعية فضلاً عن اعترافات قدمها أفراد من طالبان وقعوا في الأسر عن دعم وتدريب للمخابرات العسكرية الباكستانية لهذه القوى على ذمة جريدة التايمز اللندنية (8/10). وتشير الصحيفة إلى أن معلومات مخابرات الناتو تشير إلى وجود الملا عمر في منطقة إقليم كويتا الباكستاني.

ومن المعروف أن باكستان لم تكن راضية عن الإطاحة بحكومة طالبان إلا أن الولايات المتحدة قد هددتها - كما قال مشرف - «بإرجاعها إلى القرون الوسطى إن هي لم تقف مع الغرب في حربه ضد طالبان بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر.»!! وما زاد الطين بلة هو ذلك التحول التاريخي الذي طرأ على موقف الولايات المتحدة حيال عدوتها الهند.

حيث رفعت الولايات المتحدة الأميركية حظراً على تلقى تقنيات متطورة لتطوير برنامجها النووي كانت فرضته على الهند دام 32 سنة في زيارة بوش الأخيرة لذلك البلد في مارس الماضي. ولم تعبأ الإدارة الأميركية بكون الهند لم توقع على معاهدة منع انتشار الأسلحة النووية!!

وقد ذكر مشرف الغرب مؤخراً في مقابلة مع البي بي سي (30/9) بدور باكستان في الحرب على الإرهاب وبأن الغرب قد «يركع» دون تعاونها في ذلك. وأعلن أن «الولايات المتحدة وبريطانيا عندهما دين تاريخي يجب أن يدفعوه، حيث أن باكستان ساعدت الغرب على الانتصار في الحرب الباردة.» .

بيد أننا سنكون مجافين للحقيقة لو صورنا سبب انبعاث قوة طالبان وحلفائها بالمساعدة الباكستانية فحسب، فسوء الأوضاع الاقتصادية والمعيشية هي التي تدفع الشعب الأفغاني إلى «حضن طالبان». إذ ما زالت البلاد تعانى من بنية تحتية متهدمة أو في أحسن الأحوال متخلفة، ذلك أن شبكة الطرق لا تغطي إلا جزءاً يسيراً من أطراف البلاد الشاسعة، «وحيث تنتهي الطرق تبدأ طالبان» كما تكتب جريدة الكرستيان سينس مونيتور( 29/9 ).

ونسبة قليلة من الأفغان يتمتعون بنعمة الكهرباء وهذه النسبة لا تتعدى 6% فقط. أما إعادة الإعمار فهي وعود يطلقها الغرب أكثر منها حقائق مجسدة، فأفغانستان موعودة بعشرة بلايين دولار من المساعدات للسنوات الخمس القادمة، إضافة إلى ما تم إنفاقه خلال الأعوام الماضية والمقدر بستة بلايين دولار.

بيد أن الكثير من ذلك المبلغ قد تسرب إلى قنوات غير منتجة أو ابتلعه الفساد الإداري الضارب أطنابه في جهاز الدولة الذي تتقاسمه القوى البيروقراطية العسكرية والقوى القبلية.

فمن مظاهر الفساد الإداري وتبذير المساعدات في أوجه غير منتجة ما يصرف على المستشارين الأجانب الذين تمتلئ بهم فنادق كابول وفللها الراقية التي تعد على الأصابع، فتشير مجلة دير شبيغل إلى أن احدهم يكلف خزينة الدولة نصف مليون دولار في السنة!!

وتدفع إحدى الشركات التركية العاملة في بناء الطرق 90 دولاراً شهرياً لموظفيها الأفغان في حين تدفع عشرة أضعاف ذلك المبلغ لأقرانهم الأتراك!! ومشروع بناء مصنع الكوكا كولا الذي افتتح حديثاً وكلف 25 مليون دولار لا يوظف سوى 350 عاملاً وموظفاً أفغانيا!!

إن الأوضاع السيئة هذه قد دفعت الأفغان إلى العودة إلى مصدر رزقهم الأساسي وهو زراعة نبات الخشخاش الذي ينتج منه مادة الأفيون، حيث توقعت مصادر الأمم المتحدة أن تزداد زراعته هذه السنة بنسبة 59 بالمئة الأمر الذي يعني أن أفغانستان ستقدم 92% من استهلاك العالم من الأفيون، حيث سيصل محصولها إلى 6100 طن.

وتدر تجارة الأفيون - حسب البي بي سي 2/9 - ما مقداره 7 ,2 بليون دولار سنوياً وهو ما يمثل ثلث دخل الاقتصاد الأفغاني. والمقلق في الأمر أن نسبة كبيرة من هذا الإنتاج إنما تقع في المناطق الجنوبية الخاضعة لطالبان مما يعني أن لدى طالبان معيناً لا ينضب من التمويل الذاتي!!

وقد أدى بروز طالبان من جديد على مسرح الأحداث في أفغانستان كقوة مناوئة للحكومة المؤيدة من الغرب وتشكيلها تهديداً حقيقياً لاستقرار الأوضاع في تلك البقعة إلى زيادة الأصوات التي تنادى بالدخول في مفاوضات معها، كما طرحه رئيس الأغلبية الجمهورية ممثل ولاية تنسي النائب بيل فرست ( الكرستين سينس مونيتور 3/10).

وعلى نفس الخط، طرحت صحيفة الديلي تلغراف البريطاينة (6/10 ) مطالبة بفتح صفحة جديدة مع طالبان دون أن تغفل صعوبات تلك العملية.

خلاصة القول، لا نعلم إلى أي مدى سيتدهور الوضع لكن ما نعلمه حق العلم أن الوصول إلى أفغانستان تنعم بالاستقرار والازدهار أمر بعيد المنال!