من كوارث هذا الزمن أن يكون قرار السلام وديعة بين أيدي دعاة الحروب والقتل والتدمير. ومن كوارث هذا الزمن أن يتحول القاتل إلى ضحية والضحية إلى إرهابي، وأن تنقلب المفاهيم والمصطلحات وتتحول الجهات والهيئات المفترض أن تحمي السلام إلى بوابة لرعاية الحروب. ‏

في كل مرة تطرح فكرة السلام أو المفاوضات السلمية تجد القوة الأعظم في العالم طريقاً التفافياً للمناورة بهدف إجهاض هذا النوع من التوجه. ربما ترى الإدارة الأميركية أن السلام الذي يجب أن يعم منطقتنا العربية هو ذلك الذي يخدم «إسرائيل» ثانياً والمشروع الأميركي لشرق أوسط جديد أولاً! ‏

لم تعد واشنطن راعية للعملية السلمية كما كانت في ظل إدارة الرئيس جورج بوش الأب، ولم تعد قرارات الأمم المتحدة التي صوتت الولايات المتحدة عليها هي المرجعية للسلام، ولا صيغة الأرض مقابل السلام الأميركية الصنع، بل أضحت كل الطرقات التي قد تؤدي إلى السلام على الطريقة الأميركية ـ الإسرائيلية تمر عبر بوابة الشرق الأوسط الجديد، ومشروع «إسرائيل الكبرى» وفق الرؤية التوراتية ـ التلمودية. ‏

صنّاع القرار في واشنطن هم الذين يملكون قرار الحرب قبل السلام، وقد استهوتهم لعبة الحرب على الرغم من المصائب والكوارث التي تسببها لشعوب الأرض ولدافع الضرائب الأميركي نفسه، لذا صار السلام مستحيلاً، وليس صعباً فقط، في ظل هذه الإدارة التي نسفت من قاموسها السياسي كل كلمات السلام والحوار واحترام إرادة الآخرين. ‏

من الملاحظ أن إدارة الرئيس بوش لا تعطي بالاً لما ترتكبه من جرائم بحق البشرية وحقوق الإنسان، وبحق سمعة الولايات المتحدة نفسها. ‏

وهذه الإدارة لا تأبه لأرواح الأبرياء التي تزهق مع إشراقة كل شمس ومغيبها، بل لا تأبه حتى للخسائر الأميركية في الأرواح، وبشكل خاص في العراق حيث تجاوز عدد القتلى الأميركيين في تسعة أيام الثلاثين قتيلاً، فكل ما يهمها إمدادات النفط والسيطرة على المواقع الاستراتيجية والسعي لتنفيذ مشروع أميركي للعالم أجمع وليس للشرق الأوسط الذي يريدونه جديداً بثوب صهيوني. ‏

والمؤسف أنه في ظل اختلال موازين القوى عالمياً، وهيمنة الأحادية القطبية، وفي زمن القوة الضاربة وهوس الحروب والتسلط، لم يعد للعقل وجود، ولم يعد للعقلاء رأي يُسمع وللحق كلمة تُسمع. ‏

لقد غيّبوا العقل وغلّبوا الأطماع والأهواء الشخصية والإقليمية الضيقة على مصالح البشرية... والنتيجة الملموسة والوحيدة الباقية هي: مزيد من الإرهاب وعدم الاستقرار والحروب والدمار والقتل.. وابتعاد للسلام، وسيظل الأمر كذلك إلى أجل غير مسمى.. ربما حتى تغيب شمس المحافظين الجدد عن البيت الأبيض. ‏