عبر تاريخه الممتد على مدى أكثر من 14 قرناً، لم يسلم الإسلام يوماً من هجوم أعدائه وخصومه. والخصومة وتبادل الانتقادات بين الأعداء والمتنافسين أمر معتاد في حياة البشر منذ أقدم عصورهم. لكن ما يتعرض له الإسلام اليوم من حملات منظمة ومنسقة، ومن أعلى المستويات السياسية والدينية في الغرب، قد تجاوز كل الحدود المقبولة في التعامل بين أتباع الديانات مهما كانت الخلافات والاختلافات بينهم، خاصة حين يكونون من المنتمين إلى الديانات السماوية التي تعود إلى الأصل والمنشأ الواحد المشترك.

وخطورة هذه الحملات التحريضية المتتالية بوتيرة متصاعدة، ليس على الإسلام كعقيدة ودين لأنها في الحقيقة تمثل دعاية له ولفتاً للأنظار إليه، بدلاً من تنفير الناس وتخويفهم منه كما يريد ويسعى أولئك الذين يقفون، تخطيطاً وتحريضاً، وراء هذه الحملات. غير أن الخطورة الحقيقية تكمن في ردات الفعل العنيفة وإثارة أسباب التوتر بين أتباع الديانات المختلفة، في وقت يزداد فيه التعصب الديني والعرقي في مختلف أنحاء العالم، منذ أن أصبح تحت سيطرة «المحافظين الجدد» ومن ينتمي إلى فكرهم أو يسير في فلكهم.

كما أن هذه الحملات الجائرة والكاذبة ضد دين ينتمي إليه أكثر من مليار من البشر في شتى بقاع العالم، تمثل اعتداء صريحاً على كل القيم والمبادئ التي قام عليها ميثاق الأمم المتحدة والإعلان العالمي لحقوق الإنسان.فالميثاق الدولي ينص في ديباجته على أن «نأخذ أنفسنا (شعوب العالم) بالتسامح،

وأن نعيش معاً في سلام وحسن جوار». وليس من التسامح ولا من حسن التعايش الاستهانة بكرامة ومعتقدات أمم وشعوب بكاملها تتبع دين الإسلام. كما أن التعهد الوارد بعد ذلك في الديباجة ذاتها بأن «نضم قوانا كي نحتفظ بالسلم والأمن الدولي» لا ينسجم مع الإصرار على الاستفزازات المستمرة وشحن الأجواء وتوتير العلاقات بين الدول والشعوب.

أما الإعلان العالمي لحقوق الإنسان فقد نصت المادة 18 منه على أن «لكل شخص حقاً في حرية الفكر والوجدان والدين»، بما في ذلك «حريته في إظهار دينه أو معتقده بالتعبد وإقامة الشعائر والممارسة والتعليم، بمفرده أو مع جماعة وأمام الملأ أو على حدة». في حين تنص المادة 30 على انه «ليس في هذا الإعلان أي نص يجوز تأويله على نحو يفيد انطواءه على تخويل أية دولة أو جماعة، أو أي فرد، أي حق في القيام بأي نشاط أو بأي فعل يهدف إلى هدم أي من الحقوق والحريات المنصوص عليها فيه».

ومعلوم أن هذه النصوص كلها، التي أصبحت بمثابة شرعة عالمية، صيغت وسيقت أساساً كردة فعل غربية على الحروب والصراعات المتكررة التي عانى منها الغرب عموماً وأوروبا خاصة طوال قرون عديدة، وصولاً إلى الحرب العالمية الثانية وإنشاء هيئة الأمم المتحدة وفقاً لهذا الميثاق وما تلاه من مواثيق أخرى ومعاهدات وإعلانات تسير كلها في اتجاهه وتؤكد عليه.

فلماذا، إذن، يتنكر الغربيون لما اتفقوا عليه وتعهدوا بالتزامه؟ وكيف يعملون لهدم وانتهاك «الحقوق والحريات المنصوص عليها» في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، الذي ارتضوه بأنفسهم لهم ولغيرهم؟أما الأكثر قبحاً وسخافة فهو أن ينبري من أبناء الإسلام أو المنتمين إليه من يكيل السباب والشتائم للإسلام، عقيدة وشريعة،

ويشكك في أسسه ومبادئه، طمعاً أو محاباة لطرف هناك أو هنالك أو محاولة لإرضائه على حساب الحقيقة والموضوعية، فضلاً عن واجب الدفاع عن العقيدة أو حتى مجرد كف الأذى عنها!لكن ذلك كله لن يزيد الإسلام إلا ضياء وانتشاراً، تأكيداً لقول الله تعالى: «يريدون ليطفئوا نور الله بأفواههم والله متم نوره ولو كره الكافرون».

وهذا ما يؤكده تنامي الدور السياسي للمسلمين في العديد من الدول الغربية والأوروبية خاصة، كما حدث في الانتخابات البلدية الأخيرة في بلجيكا، ويمكن أن يتجدد مع الانتخابات الرئاسية والتشريعية في فرنسا العام المقبل. هذا بالإضافة إلى تزايد أعداد الذين يعتنقون الإسلام في أوروبا والولايات المتحدة، رغم أحداث 11 سبتمبر وتداعياتها وما تلاها من حملات ترهيبية وتضليلية.

لقد انطلقت الشرارة الجديدة بالترويج لما سمي «نظرية صراع الحضارات»، والتي يبدو أنها لم تكن مجرد «رؤية نظرية» فكرية أو سياسية، وإنما برنامج عمل متكامل ومعد بعناية لوضع العالم كله في حالة حرب شاملة ودائمة. أما المستفيدون فهم صناع السلاح الجدد وممتهنو القتل والموت ماضياً وحاضراً، أينما وجدوا أو وجد من يتبعهم ويأتمر بأمرهم.

لكن اللعب بعقائد الشعوب وكرامة الأمم لا يحرق الأصابع فحسب، بل يحرق الأيدي العابثة وكل الجسد الذي تمتد منه. والخوف كل الخوف ألا يقف الحريق عند ذلك فقط وأن يمتد لما هو ابعد منه وأشد خطراً.