شكّلت مشاركة حماس في الانتخابات التشريعية (يناير 2006) منعطفا مهما في تاريخ النظام السياسي الفلسطيني، حيث أسهمت تلك المشاركة بتعزيز شرعية هذا النظام، وتكريس العملية الديمقراطية في الساحة الفلسطينية، وتصويب العلاقة بين الفصائل المكونة لها، وتوضيح طبيعة التوازنات والاتجاهات السائدة فيها.
لكن خيارات «حماس» بعد الانتخابات لم تكن موفّقة تماما، بل إن هذه الخيارات (بين عوامل أخرى) أدت إلى إدخالها، ومعها الساحة الفلسطينية، في مأزق سياسي كبير. وهذا الاستنتاج ليس له علاقة، بالمعطيات الخارجية، المتعلقة بعزل هذه الحكومة سياسيا، ومحاصرتها وقطع أموال المساعدات عنها (على أهمية كل ذلك)، بقدر ما له علاقة بكيفية فهم هذه الحركة لمعطيات ومداخلات البيئة (الدولية والإقليمية) المحيطة بها، وللمعطيات التي ولّدت الكيان الفلسطيني الناشئ، والتي باتت في مكانة الحكومة له.
منذ البداية تصرّفت حماس، مع فوزها في الانتخابات، كما لو أنها مازالت في المعارضة، حيث ظلت تطرح الشعارات، وتبذل الوعود، من دون أن تولي الأهمية اللازمة بشأن إدارة شبكة العلاقات اليومية والحيوية التي تربط إسرائيل بالكيان الفلسطيني، أو بشأن كيفية تأمين الموازنة اللازمة لتسيير عمل الحكومة، وتأمين الرواتب والخدمات للمواطنين، أو بشأن تعقيدات الوضع الفلسطيني، وضمنه التعقيد الناجم عن التداخل بين مهمات التحرر الوطني ومهمات بناء الكيان.
وإذا كانت «فتح»، خلال الحكومات السابقة التي ترأستها، غلّبت البعد الحكومي/السلطوي في عملها، على طابعها كحركة تحرر وطني، فإن «حماس» فعلت عكس ذلك، إذ غلبت طابعها كحركة تحرر وطني (بغض النظر عن أجندتها الإقليمية والدينية) على مسؤولياتها إزاء شعبها في إدارتها للحكومة، متجاهلة تعقيدات الوضع الفلسطيني، ومداخلاته الدولية والإقليمية؛ وفي النتيجة فإن فتح وحماس أخفقتا في صوغ معادلة التناسب، أو المزاوجة، بين مهمات السلطة ومهمات التحرر الوطني.
ومشكلة «حماس»، حين صعدت إلى سدّة الحكومة، أنها لم تقدّر (وربما إنها تناست) اعتبارات أو استحقاقات هذه الحكومة، وتبعات إدارتها لها، خصوصا بالنسبة للجوانب التالية:
1 ـ إن هذه الحكومة هي من الأصل نتاج اتفاق «أوسلو» (1993) بالذات، الذي تعترض عليه هذه الحركة جملة وتفصيلاً.
2ـ إن الكيان الفلسطيني، الذي تتبوأ حكومته، هو نتاج عملية تفاوضية متفق عليها، وليس نتاج عملية تحررية (وإن كان البعد التحرري كامن فيها بمعنى ما).
3 ـ إن هذا الكيان مرتبط بألف خيط وخيط بالكيان الإسرائيلي (الكهرباء والمياه والطاقة والتموين والمعابر والتجارة الخارجية)، ومن دون هذا الارتباط اليومي يصعب على الكيان الفلسطيني الاستمرار.
4 ـ إن جزءا كبيرا من موازنة السلطة، وضمنها رواتب الموظفين (حوالي 160 ألفا)، إنما هي تأتي من الدول المانحة، وخصوصا من الولايات المتحدة وكندا وأوروبا واليابان، تلك الدول التي أخذت على عاتقها تمويل عملية التسوية بني الفلسطينيين والإسرائيليين، ما يضع على عاتق أية حكومة استحقاقات سياسية يفترض تلبيتها.
5 ـ إن أية حكومة (بناء على ما سبق)، معنية، بقوة الواقع، وبحكم الحاجة اليومية، للاعتراف بالالتزامات التي انبثق عنها الكيان الفلسطيني، بما فيها الاتفاقات الموقعة مع إسرائيل، دون أن يعني ذلك التسليم بالإجحافات المتضمنة في هذه الاتفاقات أو الالتزامات، بل إن من واجب هذه الحكومة العمل بكل الطرق من أجل تصويب هذه الاتفاقيات، وصولا لتطوير الكيان الفلسطيني، وتحقيق استقلاله الناجز.
الواقع أن «حماس» تصرفت من موقعها في الحكومة على نقيض ما سبق، متجاهلة الاعتبارات والاستحقاقات السابقة، لكأنه ليس ثمة اتفاقات تفاوضية، وكأن الكيان الفلسطيني انبثق من سياق عملية تحررية، وأنه حصل على الاستقلال الناجز، وكأنه ليس ثمة علاقات تبعية واعتمادية، إزاء إسرائيل والدول المانحة.
واللافت أن «حماس» تستنكر العزل الدولي لها فيما هي ترفض التساوق، بأي شكل، مع الشرعية الدولية، مثلما تستنكر على الدول المانحة قطع المساعدات المالية عن الحكومة التي تترأسها، فيما هي تدرك بأن هذه المساعدات مشروطة بالتساوق مع العملية السلمية مع إسرائيل. كما تحاول حماس التنصل من عملية التسوية جملة وتفصيلا دون أن تدرك أن هذا الأمر يفترض منها، مثلا، حل السلطة، على أقل تقدير، من موقعها في الحكومة، وفي المجلس التشريعي؛ برغم الانعكاسات الخطيرة لذلك.
هكذا فإن حركة «حماس»، ومنذ فوزها بغالبية مقاعد المجلس التشريعي، وفي ظل نشوة هذا الفوز، ذهبت نحو خيارات صعبة، وتتناقض مع توجهاتها السياسية، ويمكن تمثل هذه الخيارات في النواحي التالية:
1 ـ تعمّد تشكيل حكومة من لون واحد، في حين كان بإمكان حماس، في حال تعذّر عليها تشكيل حكومة ائتلاف وطني، التوجه نحو تشكيل حكومة مستقلة من شخصيات وطنية تتمتع بالكفاءة والنزاهة، كما كان بإمكانها، أيضا، التخلي عن حقها بتشكيل هذه الحكومة، بالنظر للالتزامات السياسية والاستحقاقات اليومية التي ستفرض عليها جراء ذلك،
بخاصة أنه يمكنها توجيه ومراقبة هكذا حكومة من خلال الأغلبية التي تحظى بها في المجلس التشريعي. وفي الواقع فإن حماس هي التي ذهبت نحو خيار حكومة فلسطينية «حمساوية»، وهي ظلت متشبثة بهذا الخيار، رغم كل الصعوبات التي تواجهها، مغلبة في ذلك مصالحها التنافسية (إزاء فتح)، ومكانتها في السلطة، على الأولويات والمصالح الوطنية.
2ـ كان بوسع حماس إيجاد نوع من الهامش بين مواقفها كحركة سياسية، وبين مواقف الحكومة، بحيث يتم إعطاء نوع من المرونة السياسية للحكومة في اتخاذ المواقف والتحركات التي تتطلبها أوضاعها كحكومة، من دون أن يرتب ذلك على حركة حماس، أية تبعات سياسية.
وللإنصاف فإن قيادة هذه الحركة كانت لوحت بهكذا خيار، إلى درجة أنها صرّحت علنا بأن أي قيادي من حماس يذهب إلى موقع حكومي، سيتخلى تلقائيا عن موقعه القيادي في الحركة. لكن التجربة بيّنت أن حركة حماس، ولأسباب متعددة، لم تذهب بعيدا في تطبيق هذا الأمر، وظلت تتعامل مع الحكومة، وكأنها حكومة حمساوية، كما ظلت تتعامل مع الحكومة وكأنها حكومة معارضة،
وليست حكومة سلطة، عليها استحقاقات وتبعات، تجاه شعبها وتجاه علاقاتها ومحيطها؛ وهو ما خلق نوعا من التضارب بين الالتزامات التي أخذها على عاتقه رئيس الحكومة (إسماعيل هنية) مع الرئيس الفلسطيني أبو مازن، وبين توجهات قيادة الحركة، الأمر الذي فجر الأزمة الأخيرة.
3ـ مازالت حماس ترفض أي حديث يتعلق بإجراء انتخابات تشريعية ورئاسية مبكرة، للخروج من المأزق السياسي الراهن، علما إن هكذا خيار يمكن أن يشكل مخرجا مناسبا لحماس من المأزق الذي بات يحيق بها، وبعموم الساحة الفلسطينية، والذي وصل بها حد استدعاء «القوة التنفيذية»، للدفاع عن سلطتها (كما حصل يوم الأحد في 1/10).
وفي الحقيقة فإن هكذا خيار هو البديل الديمقراطي اللائق عن التصارع في الشارع (بالهراوات أو بالرصاص)، أو عن لجوء الرئيس الفلسطيني لخيار إقالة الحكومة وتشكيل «حكومة طوارئ»، ما قد يفتح الساحة الفلسطينية على أزمة ممتدة، وعلى تداعيات لا تحمد عقباها، في ظل التوترات والتجاذبات المتبادلة بين فتح وحماس.
وبديهي أن هكذا موقف يمكن أن يحفظ لصالح حماس في الشارع الفلسطيني، كونها ساهمت في حل الأزمة القائمة، بدلا من البقاء في كونها جزءا منها، وفي ذلك تكون حماس قدمت مساهمتها الخاصة بالسلطة، في تمييزها عن تجربة فتح السابقة، التي شابتها الكثير من الشوائب والشبهات.
كاتب فلسطيني
