إن لاستعراض القوى التي تمارسها روسيا هذه الأيام مع الولايات المتحدة والاشتباكات المختلفة التي تدور بينهما حول العالم ما هي إلا بدايةً لحرب باردةً جديدة. كان من تداعيات الحرب العالمية الثانية بروز قطبين، حلف وارسو والذي كان يترأسه الاتحاد السوفييتي وحلف الناتو والذي كانت ولا تزال تتزعمه الولايات المتحدة،

وكان لامتداد أيديولوجيتهما الشيوعية والرأسمالية احتكاك متمركز في دول العالم الثالث والذي أشعل كثيرا من الحروب الصغيرة ( صرا عات داخل الدول وبين الدول المتجاورة) وإقليمياً كحرب جنوب شرق آسيا « فيتنام» والشرق الأوسط، وبما أن هذه الحروب لم تكن مباشرة بين الدولتين وعلى أراضيهما فان مقولة « الحرب الباردة» وبعد انهيار الاتحاد السوفييتي أصبح البعض يشير إليها بأنها الحرب العالمية الثالثة.

من أهم مجريات الحرب الباردة كان انهزام وانسحاب الولايات المتحدة بدعم وإسناد من الاتحاد السوفييتي من فيتنام، وعندما غزا السوفييت أفغانستان أخذت أميركا بثأرها، وبعدها بسنوات قليلة انهار الاتحاد السوفييتي وورثته روسيا والتي تخبطت لسنوات في ضمور اقتصادي شديد وتقلبات اجتماعية وسياسية إلى أن أتى الرئيس بوتين، حيث كانت الزوبعة التي تعيشها روسيا قد خرجت من أشد صعوباتها وساعده في ذلك ارتفاع أسعار النفط والغاز،

أصبحت روسيا في موقف أفضل لأن تتحرك وتأخذ مركزها الاستراتيجي العالمي الذي فقدته تاركةً الولايات المتحدة اللاعب الدولي الوحيد. أعلنت روسيا وجودها عندما أغلقت أنبوب الغاز المار بأوكرانيا والذي يغطي بعض الدول الأوروبية ( شكلت هذه الخطوة الإعلان المباشر والواضح لبدء الحرب الباردة الثانية) ومنذ قريب قامت بقطع كل الاتصالات بجمهورية جورجيا،

إنه استعراض بحت للقوى الروسية أمام أوروبا الغربية وإشارة واضحة لأميركا أن تبعد يدها، إنه من الصعب تحت هذه المتغيرات أن يتكلم أحد بما لا يعرف ماذا يحدث خلف الكواليس والأروقة الدبلوماسية، إلا إن تحالفا بين روسيا والصين أخذ بالتبلور ويرسم على توازن القوى الجديد في العالم، وأما دول آسيا الوسطى وارتباطها بأميركا أصبح ذا أهمية اقل من تنمية علاقتها مع موسكو كمركز جذب سياسي وإقليمي بنسبة لها.

أهو الإرهاب أم الدمار؟ لا يخفى على الكثير إن غزو العراق كان تنفيذاً لسياسة وضع اليد على منابع النفط في الخليج ولتكملة هذه الاستراتيجية يتبقى في إيران، مصلحة من ردع هذا التقدم؟ فقد طالت يد موسكو الطويلة لتقرب من منابع النفط في الخليج عن طريق المفاعل النووي الروسي في إيران والذي عرض الغرب على إيران مفاعلاً مجاناً إذا أغلقت إيران المفاعل الروسي.

ومن أين هذه الأسلحة والدعم لمنظمات التدمير العراقية المختلفة من اليسارية إلى اليمينية إلى المتطرفة؟ وفي لبنان حيث الرؤية غير واضحة من كان يستهدف من؟ الشيء الواضح أن أميركا اعترفت بأن القنابل العنقودية المستخدمة هي أميركية الصنع وسوف تقوم بالتحقيق،

أما روسيا فقد نفت أنها زودت حزب الله بالسلاح. وفي مسارٍ آخر ها هم الطالبان عادوا إلى نشوتهم ويقومون بالعمليات العسكرية المختلفة؟ لمصلحة من هذا بعد أن انتصرت أميركا على الإرهاب في أفغانستان؟ في النهاية الدمار هو واحد في العراق ولبنان وأفغانستان ولمصلحة من كل هذا الدمار؟

أسئلة لا يوجد لها أجوبة ومستقبل مليء بالضبابية، إنهُ وضع سيئ و يزداد سوءاً يوما بعد يوم إلى إن يتم الاستقرار في التوازن الاستراتيجي العالمي فسوف ندخل في معضلة تلو الأخرى ودماراً تلو الآخر، ولحسن الحظ إن هذا التشاؤم ليس في محله فقد انكشفت ألاعيب الحرب الباردة الأولى أمام الشعوب والماضي ليس بالشرط أن يعيد نفسهُ مما يعطينا أملاً بأن المستقبل لن يكون بتلك الكآبة والدمار.

نحن لسنا هنا لنبحث في مستقبل سيتحقق أولا، بل ما هي مصلحتنا سواء تحقق أم لا، ففي كلتا الحالتين فالمصالح العربية واحدة فليس هناك عربي شرق أو غرب أو شمال أو جنوب كلهم سيتعرضون إلى نفس المعاملة مهما كان الوضع، وهنا يأتي السؤال الكبير الذي يحاول العرب بجميع مذاهبهم الإجابة عنه، ما هي المصالح العربية؟

لنطرح بعض أقلام المبادرات والأفكار التي تراكم عليها الغبار في الأرشيفات والكتب والمقالات المختلفة، ربما هناك بعض النقاط التي بتنفيذها تشكل خطوات غير مسبوقة نحو مستقبل عربي غير مسبوق:

1ـ التجانس العربي، العرب يأتون بأجناس وألوان وخيارات واحتياجات مختلفة كل حسب انتماءاتهم الاقليمية ومن تقييم الظروف الخاصة لتلك الأقاليم أو الدولة تملي عليها ارتباطاتها السياسية والاقتصادية الدولية، وهي دائماً عرضة للضغط والتدخل الأجنبي ومما يزيد الطين بله قيام الهيمنة والتدخل العربي فيما بينهم، فكيف نستطيع أن نقاوم التدخل الأجنبي ونحن مشغولون في ما بيننا بالتدخل في شئوننا الداخلية كدول عربية؟

2ـ الفراغ السياسي العربي، الاتحاد الأوروبي نتج من الشراكة الاستراتيجية بين ألمانيا وفرنسا لنبذ الحروب الأوروبية وبناء أوروبا كقوة اقتصادية، العالم العربي يعاني من عدم وجود ثقل استراتيجي يجمع حوله الدول العربية في برنامج سياسي واقتصادي واحد.

3 ـ ثالوث الشر العربي، الفقر والجهل والبطالة الذي يجب أن نسلط عليه أسلحة الدمار الشامل والقضاء عليه قبل أن يقضي على العرب أجمع، إن من يستطيع أن يكون الثقل الاستراتيجي العربي ويقدم برنامجاً واضحاً على فترة زمنية محددة ينتشل من خلالها مئات الملايين العرب من الفقر والبطالة ومثله مسلحين بالأنواع المختلفة من العلوم المهنية والتقنية والعلمية، وحين إذن سيكون النصر لنا فلا حرب باردة ولا ساخنة تستطيع أن تقف أمامنا.

كاتب إماراتي