كل الذين يسيرون عكس التيار بالمكابرة والعناد على عكس إرادة شعوبهم، ومجافاة لثوابت مبادئها وقيمها، ويرسمون سياساتهم بحسابات المصالح الآنية المتغيرة المحدودة، وليس بحسابات المبادئ الإنسانية الثابتة اللامحدودة تسقطهم شعوبهم في النهاية وإن طال الزمن.
وكل الذين اختاروا التبعية العمياء أو العوراء لمن هو أقوى وإن ظلم، ولمن هو أكبر وإن اعتدى، خوفا أو رجاء، ظنا منهم بالوهم أو بالمنى أنهم بهذا يحققون مصلحة أو يكونون في مأمن من الحساب، يقعون في خطأ الحساب حين يتناسون أن شعوبهم هي الأقوى، وأن الله هو الأكبر.
وكل الذين اختاروا لأنفسهم مواقع التابعين للمعتدين بغير حق على العرب والمسلمين سواء في فلسطين أو أفغانستان أو العراق أو لبنان، خسروا كثيرا، ليس فقط بحتمية تسديد فواتير حروبهم وتحالفاتهم العدوانية في المعارك الميدانية، ولكن أيضا في المعارك السياسية، والقضايا الأخلاقية أمام المحاكم الإنسانية قبل القانونية، وأمام الحساب الإلهي قبل البشرى.
ولا تختلف تعاليم الأديان السماوية كلها على تعريف ما هو الظلم ولا ما هو العدل، ولا على التفريق بين ما هو الحق ولا ما هو الباطل، ولا ما هو الكذب ولا ما هو الصدق، ولا ما هو العدوان وما هو حق الدفاع عن النفس والأرض والعرض، ولا في وجوب نصرة المظلومين ومجابهة المعتدين، ولا في تحديد معالم الخير للإنسان والشر للبشرية.
وإنما تنشأ المشاكل والمظالم والكوارث ليس فقط من عدم الإيمان بها من بعض البشر وبالتالي عدم العمل وفقا لأهدافها السامية، ولكن أيضا من تزوير أو تحريف أو سوء تفسير بعض شهود الزور على هذه الرسالات العظيمة ولمبادئها وتعاليمها النبيلة وفقا لمصالحهم غير المشروعة، ومحاولة فرض هذه الرؤى المغلوطة على العالم تبريرا للعدوان على الآخرين، خصوصا إذا كان أصحاب هذه المصالح من القوى الكبرى التي تعتمد منطق القوة.
قبل العدوان على العراق كان الرئيس الأميركي الحالي «بوش» يقف في زهو وسط أتباعه وإن أسماهم حلفاءه، «أزنار» و«بيرلسكوني» و«بلير» أبرز رؤساء الحكومات الأوروبية الذين اختاروا لأنفسهم مواقع التبعية، وأساؤوا لبلادهم بجرها رغما عن إرادة شعوبهم إلى مواقع الظلم والعدوان في حروب غير عادلة ضد الشعوب العربية والإسلامية.. فأين حلفاء بوش اليوم؟
لقد شنوا حروبهم تارة بادعاء كاذب باسم حماية البشرية من شرور أسلحة الدمار الشامل، وتارة بادعاء هدف فشلوا في تحقيقه حتى الآن هو الحرب على الإرهاب، وأن احتلالهم لأفغانستان هو للقبض على «بن لادن» والقضاء على تنظيم «القاعدة» ولاعتقال «الملا عمر» والقضاء على تنظيم «طالبان»، وأن غزوهم للعراق بسبب دعم «صدام حسين» لتنظيم القاعدة، ولتورطه في اعتداءات 11 سبتمبر..
ولكن ألم يعترفوا بكذبهم، وفشلوا في تحقيق هدفهم؟! وتارة بزعم أن «الاحتلال» للبلدين هو «للتحرير» وأن «التدمير» للبلدين بأعتى أسلحة القوة العسكرية إنما هو «للتعمير»، وإن قتل واعتقال وتعذيب عشرات الآلاف من المواطنين المدنيين بغير ذنب وإشاعة الإرهاب والفقر إنما هو لتخليص هؤلاء وهؤلاء من الاستبداد، ولإشاعة الحرية والديمقراطية!
فهل صدقتهم شعوبهم أو شعوب العالم، بل هل نجحوا في تصديق أنفسهم؟! لقد نجحوا فقط في فقدان ثقة شعوبهم، وفي كسب عداء شعوب العالم، وفى الإساءة لسمعة بلادهم، وفي إفقاد المصداقية لأي من شعارات الديمقراطية والحرية وحقوق الإنسان التي يخادعون بها شعوب العالم، ونجحوا فقط في إشاعة المزيد من الإرهاب وإشعال المزيد من الحروب العدوانية بواسطة قاعدتهم العسكرية الإسرائيلية في بلدان أخرى كفلسطين ولبنان.
ثم حان وقت الحساب فأسقط الشعب الإسباني «أزنار» واختار «ثاباتيرو» الذي سحب قواته من التحالف العدواني فورا، وأسقط الشعب الإيطالي «بيرلسكوني» واختار «برودي» الذي بدأ سحب قواته تدريجيا، ثم هاهو الشعب البريطاني يسقط «بلير» ويجبره على إعلان التنحي حتى قبل حلول موعد الانتخابات، في حين يواجه كبيرهم «بوش» وحزبه مأزقا كبيرا على أبواب الانتخابات محاصرا بالانتقادات والإخفاقات وتدني شعبيته الأميركية إلى أدنى المستويات.
mamdoh77t@hotmail.com