لماذا الحملة على المسلمات تحديداً في أوروبا دون غيرهن من النساء غير المسلمات والرجال غير المسلمين؟ بوسع جاك سترو وزير خارجية بريطانيا سابقاً وزعيم الأغلبية في البرلمان حالياً أن يحاجج بأنه لم يدع النساء المسلمات في المجتمع البريطاني إلى ترك الحجاب الذي أمر به القرآن وإنما اقتصرت دعوته على نبذ نقاب الوجه الذي لم يفرضه القرآن.
لكن ليست هذه هي القضية، القضية هي: لماذا انتقاء النساء المسلمات بالذات من بين القطاعات الأخرى في المجتمع البريطاني الذي أصبح يعتبر مجتمعاً متعدد الثقافات والأديان؟بين قطاعات الشبان والشابات غير المسلمين في بريطانيا لا يزال هناك من ينتمون إلى حركة «الهيبيز» التي بدأت في ستينات القرن الماضي، هؤلاء يتجولون في الشوارع وهم يعلقون في أعناقهم أجراساً معدنية صغيرة تصدر صلصلة أثناء السير.
وهناك الراهبات المسيحيات اللائي يرتدين ما يشبه رداء الحجاب الإسلامي بما في ذلك تغطية الذراعين والساقين والرأس. وهناك في بريطانيا أيضاً من الفتيات من يمشين في الأسواق شبه عاريات.وفي أرياف شرق أوروبا ـ بما في ذلك روسيا ـ لا تخرج المرأة من المنزل إلا وعلى رأسها غطاء.
وهنا يثور السؤال: إذا كانت هناك فئات من المجتمع البريطاني أو المجتمع الأوروبي الأعرض يرتدون ما يروق لهم ـ نساءً كانوا أم رجالاً ـ باسم الحرية الفردية المقدسة، فلماذا لا تتوجه أصابع النقد إلا إلى ما ترتديه النساء المسلمات؟ هذه الانتقائية هي التي تثير ريبة المسلمين داخل بريطانيا أو خارجها.
جاك سترو وأمثاله لا ينتقدون عمامة طائفة السيخ ولا «الساري» الهندي. وبالطبع لا يجرأون على الإشارة إلى القبعة أو الطاقية التي يرتديها اليهود. الحجة التي تساق ضد الحجاب أو النقاب الذي ترتديه النساء المسلمات البريطانيات هي أن المسلمين لا يريدون الاندماج في المجتمع البريطاني مفضلين تمسكهم بثقافتهم المبنية على عقيدة دينية،
لكن هكذا أيضاً اليهود والهنود انطلاقاً من قيم «التوراة» والعقيدة الهندوسية، وهنا يقع تناقض فاضح، فالتميز اليهودي أو الهندي عن المجتمع البريطاني يعتبر ممارسة مشروعة لمبدأ الحرية الشخصية الذي تقدسه وتلتزم به المجتمعات الديمقراطية، أما التميز الإسلامي فإنه يعتبر خروجاً على المجتمع.
هذه الازدواجية المفضوحة هي التي تجعل المسلمين في بريطانيا وخارجها يزدادون اقتناعاً بأن هناك حملة منظمة ضد الإسلام والمسلمين والقيم الإسلامية في أوروبا. ولم يكن محض مصادفة أن تتزامن انتقادات جاك سترو في بريطانيا مع إعلان في الدنمارك عن قيام شبيبة «حزب الشعب الدنماركي» المشاركة في الحكم بتنظيم «مسابقة» للسخرية من نبي الإسلام محمد صلى الله عليه وسلم، ليس ذلك فحسب بل إن التلفزيون الدنماركي قرر عرض الصور المشاركة في المسابقة.
لقد ظن المسلمون أن الأزمة العظمى التي نشأت قبل أشهر بسبب نشر رسوم كاريكاتيرية تنطوي على استهزاء بشخصية الرسول الكريم قد انتهت، لكن يبدو الآن أنه كان ظناً خاطئاً، فهناك حملة مرتبة لا نهاية لها.