مرة أخرى يضع الرئيس نبيه بري اصبعه على جرح الانقسامات الداخلية المتصاعدة بتوتر مخيف، ويشد الرحال إلى المملكة العربية السعودية بعدما ركز بوصلة المعالجة الناجعة بالاتجاه الصحيح، محاولا الحصول على الدواء الشافي لآلامنا الداخلية من مصادره الاساسية! وخطوة رئيس المجلس النيابي، الجديدة والجريئة، لم تأت من فراغ، وهو المعروف بفطنته السياسية وتجربته المديدة في التعاطي مع الأزمات والتشابكات على مدى ربع قرن من الزمن الصعب، بل كانت هذه الخطوة نتيجة نقاشات ومشاورات بدأت مع سفير المملكة الناشط في كل اتجاه الدكتور عبد العزيز خوجة، وامتدت مع رفيق درب التعاون والتنسيق الرئيس فؤاد السنيورة، ونضجت في جلسة سحور طويلة مع النائب سعد الحريري، وحظيت طبعا بمباركة الحليف الاول السيد حسن نصر الله، الذي كان يستعد للقيام بزيارة إلى المملكة عشية اندلاع حرب تموز المدمرة·

والحقيقة تفرض علينا الاعتراف بصراحة بأن مبادرة بري طلب المساعدة من الشقيقة الكبرى للخروج من دوامة الانقسامات الراهنة، اثارت موجة ارتياح عارمة لدى الاكثرية الساحقة من اللبنانيين الذين يدركون جيدا حقيقة العاطفة الاخوية التي يكنها خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز واخوانه في القيادة السعودية تجاه الشقيق الصغير، إلى جانب اطمئنانهم الكامل لطبيعة العلاقات النموذجية القائمة بين لبنان والمملكة والمنزهة عن الاهداف المصلحية والمنافع الفئوية والشخصية·

والرئيس نبيه بري يدرك، ومعه كل اللبنانيين، ان السعودية ومليكها، لن يبخلا بأي جهد يساهم في اعادة الامن والطمأنينة والاستقرار إلى بيت الشقيق المدلل، الذي يكنون له كل الود والحب والتقدير، رغم مشاغباته المستمرة، ورغم مشاكله المتكررة والتي ما تلبث ان تهدأ حتى تعاود من جديد·

لقد مدت السعودية يد العون والمساعدة لتخفيف معاناة اللبنانيين، كل اللبنانيين، ابان الحروب العبثية في السبعينيات والثمانينيات من القرن الماضي واستمرت في بذل المساعي والجهود المضنية مع الاطراف اللبنانية، ومع كل الاطراف العربية والدولية المعنية بالأزمة اللبنانية، توصلا إلى وضع اتفاق الطائف، الذي أوقف الحرب اللبنانية، وتحول إلى ميثاق وطني جديد ينظم الحياة السياسية في الوطن الصغير، بعدما تحولت بنوده إلى مواد اساسية في صلب الدستور اللبناني·

وكان للمملكة السعودية اليد الطولى في ورشة اعادة الاعمار التي قادها بشجاعة مشهودة الرئيس الشهيد رفيق الحريري، فضلا عن الحصص الكبيرة من الدعم التي التزمت المملكة في المؤتمرات الدولية المخصصة لمساعدة مسيرة النهوض اللبنانية والتي كان آخرها مؤتمر باريس-2·

وفي الحرب الاسرائيلية الاخيرة، كانت المملكة، وكعادتها دائماً، السباقة في توفير اسباب الدعم والصمود للوطن الصغير في محنته الجديدة، حيث أوقفت مبادرة الملك عبد الله الكبيرة إيداع مبلغ مليار دولار في البنك المركزي اللبناني، وتقديم مساعدة فورية بنصف مليار دولار، حركة التدهور المالي والنقدي للخزينة اللبنانية، واعادة مناخات الثقة بالوضع المصرفي والنقدي في البلاد، وفتحت الأبواب العريضة لتدفق المساعدات المالية والعينية من الاشقاء والاصدقاء·

ويكتسب لقاء الرئيس نبيه بري مع خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله في رحاب مكة المكرمة والكعبة المشرفة أهمية مضاعفة في هذه المرحلة اللبنانية الحرجة، حيث تعطلت مسيرة الحوار الداخلي، وزادت الانقسامات الطائفية والمذهبية، وارتفعت حدة التشنجات والاستفزازات السياسية والحزبية، وتعقدت العلاقات الاخوية بين لبنان وسوريا، وتحولت الارض اللبنانية إلى ساحة لتصفية الحسابات الاقليمية والدولية·

ولعل الرئيس بري يعلم مثل غيره من القيادات السياسية والروحية التي اتيح لها اللقاء مع خادم الحرمين الشريفين، ان الملك عبد الله يملك رؤية واقعية وثاقبة للواقع اللبناني، تراعي تميز مكونات المجتمع اللبناني ومتطلباته وحساسياته من جهة، وتأخذ بالاعتبار مناخات الجوار العربي وأهمية العلاقات الطبيعية، الصافية والهادئة، بين بيروت ودمشق خاصة على الوضع الداخلي اللبناني·

لم تغير الاحداث المؤلمة التي عصفت بالوطن الصغير منذ جريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري من توجهات رؤية الملك عبد الله في معالجة أزمات لبنان المتناسلة والمتشابكة، بل أثبتت تطورات الأشهر الصعبة الماضية أهمية هذه الرؤية الاستراتيجية، البعيدة النظر، والتي توفق بين الحاجات الوطنية والالتزامات العروبية والتي تحصن صيغة التعايش الفريدة بين الديانات والحضارات·

ويمكن تلخيص رؤية الملك عبد الله الانقاذية للوضع اللبناني، والتي كررها على مسامع قيادات سياسية وروحية لبنانية بُعيد وقوع زلزال اغتيال الرئيس الشهيد، بالنقاط التالية:

أولا الحفاظ على الوحدة الاسلامية، وهي امانة في عنق كل مسلم، مهما كان مذهبه، لان وحدة المسلمين في لبنان تشكل الاساس لوحدة اللبنانيين، وفي حال نجحت محاولات زرع الفتنة بين المسلمين في لبنان سيصبح لبنان الوطن والدولة في خطر حقيقي·

ثانيا تعزيز الوحدة بين اللبنانيين، لان لبنان بمكوناته المميزة بالتعددية الدينية والثقافية يعتبر حاجة عربية لا غنى عنها، وهو موضع عناية العالم الاسلامي المنفتح والمرحب بتجربة التعايش الديني في لبنان، واذا فقد لبنان هذه الميزة يفقد تميزه الحالي في الوضع العربي، والمملكة كانت منذ ايام مؤسسها الراحل الكبير الملك عبد العزيز على مسافة واحدة من جميع اللبنانيين، واتفاق الطائف كان اقوى من كل مشاريع التفرقة والتقسيم·

ثالثا سلامة العلاقة مع سوريا، ان التاريخ والجغرافيا يفرضان على لبنان وسوريا اقامة افضل العلاقات واوثقها على قاعدة الاحترام المتبادل ومراعاة خصوصية كل طرف من الآخر، وذلك نظرا لاواصر القربى بين العائلات اللبنانية والسورية وتشابك المصالح بين البلدين·

وهنا يشدد خادم الحرمين الشريفين: لا مصلحة للبنان في خلق اجواء نزاع، أو الانزلاق، إلى مواجهات وخلافات مع سوريا، كما ان لا مصلحة للاخوان في دمشق في الدخول بصراعات مع لبنان، الذي يبقى بمثابة الرئة التي تتنفس منها سوريا وكل العرب، والحفاظ على الاستقرار في احد البلدين هو مكسب ايضا للبلد الآخر·

واستطرادا، عارضت المملكة العربية السعودية ومعها مصر، المطالبة باسقاط النظام السوري، ووقفت بمواجهة حملات الضغط التي تعرضت لها دمشق منذ سقوط نظام صدام حسين في العراق، والتي اشتدت بعد ذلك اثر اغتيال الرئيس رفيق الحريري·

ورغم مشاعر الغضب والاستياء التي اثارها خطاب الرئيس السوري بشار الاسد اثر انتهاء الحرب في لبنان، فإن زوار المملكة في الاسابيع الاخيرة شعروا بأن الثوابت السعودية لم تتغير تجاه لبنان وسوريا، بل زادت المسؤولين السعوديين ايمانا بصوابية وواقعية رؤية الملك عبد الله المعروف بترفعه عن صغائر الامور، وتمسكه الدائم بكل ما من شأنه تعزيز التضامن العربي، والحفاظ على مصالح الامة في هذه المرحلة الخطيرة من تاريخها المعاصر·

تأتي مبادرة الرئيس بري في وقت تتجمع فيه الرياح الخارجية وتنذر بعواصف عاتية في المنطقة، بعد تعثر مفاوضات الملف النووي الايراني، وارتفاع الأصوات المطالبة بالثأر من هزيمة تموز في إسرائيل، الأمر الذي يتطلب معالجة فاعلة للصدمة التي ضربت العلاقات العربية - السورية في الأونة الأخيرة، واستعادة ما انقطع بين الرياض والقاهرة ودمشق، لتوفير الحد الأدنى من الصمود للموقف العربي، ولايجاد المخارج المناسبة للأزمة المتجددة في لبنان وفتح سبل المعالجات الأخرى في فلسطين والعراق قبل فوات الأوان·

مرة أخرى يضع نبيه بري بوصلته في الاتجاه الصحيح، فهل تساعد "الظروف" لإكمال الطريق؟··

صلاح سلام