لعل من أبرز الأخطاء القاتلة للسياسة الأميركية في المنطقة أنها تُطلق آمالاً ووعوداً مخادعة، مفاعيلها على أرض الواقع تؤكد أن إدارة الرئيس بوش تضمر نيّات مبيتة لمصلحة مخططاتها، إسرائيلية الهوى والتوجه.. ولهذه الأسباب باتت السياسة الأميركية مكروهة جداً من الشعوب العربية والإسلامية، التي ترفضها لأنها تشتم منها رائحة المؤامرة وليس لغة القانون والمواثيق والقرارات الدولية.

ثمة ثلاثة جوانب أساسية وإشكالية في آن، تضع على الدوام علامات استفهام تجاه الموقف الأميركي من قضايا المنطقة. ‏

أولها: ما يتعلق بأزمة العراق والكارثة التي حلّت به بسبب الاحتلال، وبرغم الفشل الذريع الذي مُنيت به واشنطن في هذا البلد العربي والخسائر الكبيرة التي لحقت بالجيش الأميركي، تبدي إدارة بوش رفضاً متواصلاً لأي توجه يطالب أو يشير إلى انسحاب القوات المحتلة، وبدلاً من ذلك يجري الحديث الآن عن مخطط أميركي لتقسيم العراق إلى ثلاث مناطق بعكس المنطق القانوني والأخلاقي الذي يفرض على القوة المحتلة الحفاظ على وحدة البلد أرضاً وشعباً كما كان قبل الغزو. ‏

وثانيها: ما يتعلق بلبنان، إذ تتعمد السياسة الأميركية التدخل في شؤون هذا البلد الداخلية وتمنع توجه شعبه نحو الوئام والتضامن الفعال والوحدة الوطنية الضرورية للنهوض بلبنان ما بعد العدوان الإسرائيلي، الذي شاركت فيه الإدارة الأميركية سياسياً وعسكرياً إلى درجة مخجلة ولا تليق بدولة عظمى يقع على كاهلها حماية السلم والأمن الدوليين، وهذا سيولّد نقمة لبنانية واضحة يجري التعبير عنها يومياً. ‏

وثالثها: وهو الأكثر غرابة وانحيازاً، ما يتعلق بالشأن الفلسطيني عندما أخذت الإدارة الأميركية على عاتقها إسقاط الحكومة الفلسطينية المنتخبة ديمقراطياً، والزعم بأن هذه الحكومة أساس علة القضية الفلسطينية والقول بأنه بزوالها تصحّح الأمور ويمكن الانطلاق في مفاوضات السلام مع الجانب الإسرائيلي. ‏

هذا الجانب يستدعي الوقوف عنده أكثر نظراً إلى خطورته التي تنسحب على مجمل المنطقة، إذ إن الإدارة الأميركية لم تفعل شيئاً لتسوية الصراع وفق قرارات الأمم المتحدة وحتى خريطة الطريق التي رسمتها بنفسها، وإنما أكدت تطابق توجهها مع عدوانية حكومة شارون ثم أولمرت في معاقبة الشعب الفلسطيني وتجويعه وتكريس حصاره في كانتونات ومعازل عنصرية، ثم معاقبة حكومته الشرعية المنتخبة بالحصار المالي والسياسي إمعاناً في خلق الفوضى بذريعة عدم الاعتراف بـ«إسرائيل» رغم أن الجميع يعرف أن «إسرائيل» هي التي لا تعترف بأي حق من الحقوق الفلسطينية المشروعة التي أقرها المجتمع الدولي بقرارات واضحة وصريحة منذ ثمانية وخمسين عاماً.. واليوم الجميع يعرف أن المشكلة ليست في الحكومة الفلسطينية التي تمدّ يدها إلى كل الفلسطينيين «إعلان اسماعيل هنية يوم أمس» وإنما هي في السياسة الأميركية أحادية التوجه، التي أطلقت العنان لـ«إسرائيل» لتكمل مشروعها العدواني التصفوي. ‏

وبعد كل هذا، هل هناك توجه أميركي لتغيير صورة إدارة بوش البغيضة في منطقتنا وفي العالم؟.. الجواب في اعتقاد المتتبع للتطورات التي رافقت زيارة رايس الثالثة يقول: لا.. وهنا مكمن الأخطاء المستمرة. ‏