لو أجرت كوريا الشمالية تجربتها النووية أيام المد الشيوعي واليساري، لخرجت المظاهرات في معظم مدن العالم ومعها مدننا العربية التي سترى في هذا التطور انتصاراً للاشتراكية، ودحراً للامبريالية، ولربما اتجه زعيم ألبانيا الأكثر تطرفاً في يساريته والذي اعتبر شيوعي الاتحاد السوفياتي والصين تحريفيين ثم شرع باستنساخ التجربة الكورية لوضع بلده في مواجهة مع الأمن الأوروبي.
والغريب أن رفاق الأمس، والأكثر التحاماً مع كوريا الشمالية، وخاصة الصين، هي أكثر من وجّه توبيخاً حاداً لجارتها على هذه التجربة، والأغرب في المصادفة أن جرى التفجير أثناء زيارة رئيس وزراء اليابان الجديد في سعيه لمصالحة الصين كجار مهم ومؤثر على أمن الجوار، وكل القارة الآسيوية، وكأن التوقيت جاء متعمداً أو تم بتنسيق مع الصين..
كوريا الشمالية، كما أي نظام شيوعي كلاسيكي، تسيّر مواطنبها بالسخرة، أي لا يوجد عاطل لكن لا يوجد تمييز بين عالم الذرة، وعامل تنظيف الشوارع، إلا ببعض الامتيازات الأقل من عادية في نظم رأسمالية فقيرة، وقد يكون الخيار بامتلاك هذا السلاح توفير غطاء أمني، يجعل المغامرة بحرب عليها من الجنوب، وبمساعدة أمريكية - يابانية، أمراً مستحيلاً، وبالتالي تصبح هيبة هذه الدولة هي من تفرض شروطها في أي حوار سياسي توافقي مع كوريا الجنوبية، وحتى الدول الدائرة في الفلك الأمريكي..
الصين الشيوعية تدرك أن كوريا الشمالية عبء اقتصادي عليها، وأنها لا يمكن أن تغامر بعلاقاتها مع أمريكا ودول الغرب الأخرى التي تشكل استثماراتها القوة الأساسية في نهضتها مقابل مسايرة الكوريين الشماليين ونزعتهم العسكرية، بنفس الوقت تدرك أن هذه الورقة من حليفتها المجاورة احتياطي استراتيجي في اتفاقاتها مع اليابان، الجار اللدود، والدول الأخرى التي يفزعها وجود سلاح مدمر في خزانة دولة متطرفة لا تخضع في سياساتها إلى التوافق مع النظم الدولية الأخرى..
موضوع الأسلحة النووية بدأ الجدل حوله بعد معادلة السوفيات للقوة الأمريكية بامتلاكهم نفس السلاح، لكن دخول أوروبا، ثم الصين، والهند، وإسرائيل، في فلك إنتاجه وتخزينه، قطع الطريق على احتكاره، وزوال الاتحاد السوفياتي، ربما قاد دولاً مثل كوريا وباكستان، ثم إيران لنفس الحوافز بالحصول على هذه الأسلحة بمختلف الوسائل، والعجيب أن التقنيات التي انتشرت بوسائل سرية، وعلنية، جاءت من دول متطورة، ومن خلال سوق سوداء كانت على استعداد لبيع كل الممنوعات لمن يدفع بسخاء،
وباستثناء مفاعل تموز العراقي الذي دمرته إسرائيل وكشف القذافي لمشروعه والتخلي عنه، وجنوح جنوب أفريقيا للتخلص من بحوثها النووية وإيقافها فإنه لا بد من بروز قوى أخرى تريد معادلة دول ليست لديها ضوابط سياسية ولا قانونية باستخدام هذا السلاح، ولعل اليابان أكثر الدول إلحاحاً ورغبة في كسر حاجز التحريم عليها بسبب تاريخها العسكري ونتائجه في الحرب العالمية الثانية، وهناك دول من العالم المتوسط والثالث لا تخفي مثل هذه الرغبات.. فهل العالم موعود بانفجارات نووية مدمرة من قبل دول صغيرة؟..