حجبت إدارة بوش بالاشتراك مع الكونغرس الأرصدة المالية عن الجيش الأميركي على نحو صارم للغاية، وسط حرب تقع أعباؤها في المقام الأول بشدة على كاهل ذلك الجيش، بحيث أن الأمور وصلت أخيرا إلى منعطف بالغ الدقة.

ومن دون دفقات كبيرة من الدعم، في كل من الجانبين المالي والبشري، فإن الجيش الأميركي لن يكون بمقدوره تقديم ما يكفي من الوحدات لعمليات تبديل المناوبات المقبلة في العراق وأفغانستان، دع جانبا توفير القوات الإضافية التي يعتقد الكثير من الضباط، إن لم يكونوا جميعا يعتقدون أن الحاجة ماسة إليها لتجنب وقوع كارثة في البلدين كليهما. وجنود البحرية الأميركية ليسوا في حالة أفضل من نظرائهم في الجيش الأميركي.

وإذا أردنا التعبير عن جلية الأمر بصيغة بسيطة، لقلنا إن الجيش الأميركي ليس لديه ما يكفي من الجنود أو المعدات أو المال لأداء المهام المسندة إليه، حتى في الوقت الذي تتحدث فيه الإدارة الأميركية والبنتاغون عن«حرب طويلة المدى» ضد الإرهاب العالمي ويحذر مجتمع المخابرات الأميركي من أن السياسات الأميركية تفاقم من انتشار ظاهرة الإرهاب.

وقد أشار جنرال بيتر شوميكر رئيس هيئة أركان الجيش الأميركي في منتصف أغسطس الماضي، بوضوح إلى مدى تردي الموقف على وجه الدقة عندما رفض أن يضع مائدة الجيش على الطاولة تحت أنظار المراقبين.

وكان دونالد رامسفيلد وزير الدفاع الأميركي قد أبلغ شوميكر بأنه يتعين عليه التوصل إلى خطة إنفاق تقدم 114 مليار دولار تقريبا عن العام المالي 2008، أي بتخفيض يصل إلى ملياري دولار مقارنة بعام 2007، وكان رد شوميكر هو: «من العبث قيامنا بتقديم ميزانية ليس بمقدورنا تنفيذها.. ميزانية عرجاء»، وقال إن التكلفة الإضافية ستبلغ 17 مليار دولار لمجرد مواصلة التعامل مع ركام دبابات الجيش وناقلات جنوده من طراز برادلي وسياراته من طراز همفي المحطمة في ورش الإصلاح التابعة للجيش.

وهناك حوالي 1500 عربة قتال مهترئة من الإفراط في الاستخدام تقبع في مجمع تخزين ريد ريفر التابع للجيش الأميركي و500 دبابة من طراز إم 1 ، لا جدوى منها في مجمع أنستون في الاباما.

وفي غضون ذلك فإن الجيش الأميركي متورط أشد التورط في أفغانستان والعراق إلى حد أن لواءين أو ثلاثة ألوية مقاتلة تضم أقل من عشرة آلاف جندي هي التي تقف على استعداد وبمقدورها التعامل مع أي أزمة جديدة في أماكن أخرى من العالم. وليس هناك لواء من الألوية الأخرى التي عادت من واجب قتالي استمر عاما والموجودة في الولايات المتحدة على أهبة الاستعداد للقتال، وبعض هذه الألوية لا تضم إلا نصف العدد المخصص لها من الجنود ولا تضم أيا من عربات القتال الخاصة بها.

ويقول قادة الجيش الأميركي إنهم سيطلبون أعدادا كبيرة من جنود احتياطي الجيش والحرس الوطني لانجاز حركة تغيير المناوبات المقبلة التي يقول الجنرال جون أبي زيد القائد الإقليمي إنها ستكون مطلوبة في العراق. وحيث أن معظم وحدات الاحتياط والحرس الوطني قد أمضت بالفعل الحد الأقصى المسموح به وهو عامان من الخدمة النشطة من إجمالي خمس سنوات، فإن الكونغرس سيتعين عليه تعديل القانون بحيث يمكن إرسال هذه الوحدات إلى هناك مجددا.

وقد أبلغ شوميكر البيت الأبيض بأن الجيش يحتاج إلى 8 ,138 مليار دولار في عام 2008، أي بزيادة نسبتها 41% مقارنة بالميزانية الحالية المقدرة بـ 2 ,92 مليار دولار. وهكذا فإنه إما أن يوفر الكونغرس المال وإما أن تضطر الإدارة الأميركية إلى تقليص مطالبها من القوة التي تحمل بالفعل العبء كاملا في العراق وأفغانستان.

هناك بديل، بالطبع، وهو بديل تنبأت بأن السياسيين سيمسكون به بقوة، وهو تخفيض تكلفة النظام القتالي المستقبلي للجيش الأميركي المقدرة بـ 200 مليار دولار، وهو نظام الأسلحة الكبير الوحيد المدرج في ملفات الجيش الأميركي. وسيكون هذا أقرب إلى التهام بذور الذرة بدلا من زرعها، لأنه يعني تخفيض الإنفاق على الأبحاث وتطوير مركبات الجيش الأميركي في أعقاب العراق، ولكن شيئا من هذا القبيل لم يزعج السياسيين الذين يعتبرونه أمرا هينا.

وهذه مشكلة كان يمكن للبنتاغون أن يعالجها في مراجعة الدفاع الأخيرة، وهي المراجعة التي كان الوزير رامسفيلد بسبيله من خلالها إلى إعادة تنظيم عالم التعاقدات الدفاعية وشطب كل برامج أسلحة الطيران والبحرية غير الضرورية والتي تستهلك نصيب الأسد من ميزانية الدفاع، كان بسبيله إلى القيام بذلك، ولكنه لم يفعل، والآن يدفع الجيش ورجال البحرية الثمن.

لقد وصل رامسفيلد إلى منصبه مقتنعا بأن الوثبات التقنية المتألقة من شأنها أن تجعل قوة الجيش البرية الضاربة شيئا لا ضرورة له، واعتقد أن النصر السريع الذي تحقق على طالبان في أفغانستان قد أكد ذلك.

إنه أمر مثير للسخط إلى أبعد الحدود بالنسبة لقادة الجيش الأميركي، الذين يؤمنون بالقدرة على الإنجاز كطريقة حياة، أن يعترفوا بأن القدرة على الإنجاز لم تعد شيئا متاحا لهم، وأن يقروا بأنهم عاجزون عن تحقيق مهمة تقتضي اثنتي عشرة فرقة بتوظيف عشر فرق فحسب.

لم يعد هناك المزيد من الحلول السهلة، فمن يخوضون غمار حروب أميركا مفلسون. لقد آن الأوان لكي يلتزم من يعلنون دعمهم للمؤسسة العسكرية الأميركية ويستخدمون الجنود الأميركيين كما لو كانوا كومبارس في وقائعهم السياسية، بالمطلوب منهم أو يلزموا الصمت.

خدمة «لوس أنجلوس تايمز»

خاص لـــ «البيان»