ظاهرة تاريخية تلك التي تعيشها فرنسا هذه الأيام على وقع المواقف السياسية الصادمة للكثيرين التي يعلنها نيكولا ساركوزي وزير الداخلية رئيس الحزب اليميني الحاكم في فرنسا المتطلع للرئاسة ورغم أن تصريحاته عن الحرب الإسرائيلية على لبنان كانت مغايرة للموقف الرسمي الفرنسي إلى حد ملحوظ إلا أنها ـ وهذا هو الأهم ـ تنبئ عن تغيرات درامية يمكن أن تطرأ على السياسة الفرنسية على نحو لا يقل تأثيرا عن فوز أنجيلا ميركل بمنصب مستشار ألمانيا لتدفع قاطرة السياسة الخارجية الألمانية بقوة نحو أميركا وبنجاح ساركوزي ـ وهو ما يرجحه المحللون حتى الآن ـ تفقد روح مناهضة أميركا مصدرا مهما من مصادر قوتها.
بين الإعجاب والكراهية
وحسب ألان جريش الكاتب الفرنسي المعروف باللوموند الفرنسية فإن الاتحاد الأوروبي يعزز علاقاته مع إسرائيل ويعمد مؤخرا إلى استقبال المسؤولين الإسرائيليين بغية «تشجيعهم» على متابعة مسيرتهم التي تفضي مباشرة إلى ضمّ القسم الأكبر من الضفة الغربية والقدس الشرقية. وقبل الحرب على لبنان استأنفت فرنسا تعاونها العسكري وحتى الأمني مع إسرائيل.
كما يضاعف عددٌ من الوزراء ومن بينهم السيد نيكولا ساركوزي زياراتهم إلى إسرائيل، وتقوم شركة فرنسية ببناء خط المترو الذي يربط بين وسط القدس والمستوطنات اليهودية شرقي المدينة مما يساهم في سياسة الاحتلال الإسرائيلية، وهذه الاستراتيجية المندرجة ضمن تقارب أوسع مع الولايات المتحدة إزاء الشرق الأوسط تناقضُ مسيرة عقودٍ من السياسة الخارجية الفرنسية. (لوموند يناير 2006).
وحسب دومينيك مواسي (الأستاذ بكلية أوروبا بوارسو أحد مؤسسي المعهد الفرنسي للعلاقات الدولية وكبير مستشاريه) فإنه لا شيء في العلاقات بين ضفتي الأطلنطي أكثر إثارة للشقاق والجدال من قضية أمن إسرائيل. ويرى أغلب الأميركيين، الآن أكثر من أي وقت مضى، أن إسرائيل تشكل خط الدفاع الأول للغرب ضد الإسلام المتطرف الذي تقوده إيران، أما في نظر أغلب الأوروبيين ورغم عدم تعاطفهم على الإطلاق مع المسلمين المتطرفين فهم يرون أن هذه الحرب سبب محتمل لتفجر صدام الحضارات بين الإسلام والغرب.
وعلى مستوى التحليل المعرفي يرصد دومينيك مواسي مفارقة هي أنه رغم الأصول المسيحية لمعاداة السامية في أوروبا إلا أن عملية «الانصراف عن المسيحية» التي شهدتها القارة لعبت دوراً كبيراً ضد إسرائيل. ففي أوقات التصالح بين المسيحية واليهودية كانت أوروبا الأقل مسيحية أكثر عزوفاً عن مراعاة الخصوصية الروحانية لدولة إسرائيل.
وهذه المواقف في الإجمال تتناقض مع القوة المتنامية لعملية إحياء المسيحية في أميركا، حيث يجمع اليمين البروتستانتي الإنجيلي بين تأييده لإسرائيل العظمى كما وردت في الإنجيل وبين شكل تقليدي من أشكال معاداة السامية، فمن المحتم طبقاً لهذه المعتقدات أن يتحول اليهود إلى المسيحية قبيل نهاية الزمان!
ومن المفارقات المهمة أيضا في العلاقات بين الحليفين المتشاكسين على ضفتي الأطلسي أن الأوروبيين حائرون بين ثقافة أميركا وسياساتها الخارجية ولا يعتبر ذلك مثاراً للدهشة أو الاستغراب ففي معظم الدول الأوروبية يتعايش الحماس المتدفق نحو الثقافة الأميركية جنباً إلى جنب مع الكراهية المعلنة لسياساتها الخارجية وقد كشف استطلاع للرأي أجراه مؤخرا «مركز بيو للأبحاث» أن مواقف الأوروبيين، باستثناء البريطانيين، تجاه الولايات المتحدة مازال في تقهقر مستمر تطبعه نظرة سلبية كما هو الشأن لدى أغلب دول العالم. ويُظهر استطلاع الرأي أيضاً أن تلك النظرة ما فتئت تزداد حدتها لدى الفرنسيين والألمان والأسبان.
حيث لا تتعدى نسبة من يحملون نظرة إيجابية عن الولايات المتحدة بينهم 40%. وفي الوقت الذي بدأت تواجه فيه الدول الأوروبية مشاكلها الخاصة المتمثلة في الإرهاب وتقلص الموارد الكافية للإنفاق على البرامج الاجتماعية، تنامت الأصوات المشككة في مدى فعالية النموذج الأميركي في حل تلك المشاكل. وليس غريباً أن ينشغل الأوروبيون في هذه الأيام بسؤال جوهري حول النموذج الاقتصادي الأميركي وما إذا كان الطريق الأمثل للخروج من الصعوبات الاقتصادية.
وفي الإطار نفسه أجرى «معهد سورا» لاستطلاعات الرأي استبياناً كشف نفور عدد متصاعد من النمساويين من أسلوب الحياة الأميركي، وحسب الاستبيان ارتفع عدد الذين ينظرون باستياء إلى نمط الحياة الأميركي من 48% سنة 2000 إلى 61% سنة 2005. وأكد الاستطلاع أنه رغم تأثير السياسات الأميركية غير الشعبية فإن هناك أموراً أخرى تساهم في تشكيل النظرة السلبية لأغلب الأوروبيين.
فبينما يتعين على الأميركيين إفناء زهرة حياتهم في العمل لتمويل الرعاية الصحية والاجتماعية، لا يرغب الأوروبيون في انتهاج نفس المسار. لكن نظرة الأوروبيين السلبية إزاء الولايات المتحدة لا تمنعهم من إبداء إعجابهم بثقافتها الشعبية لما تنطوي عليه من شفافية في العلاقات الإنسانية وتفاؤل إزاء الحياة، فالثقافة الأميركية تعكس إحساساً بكل ما هو شعبي ومتداول خلافاً لتقاليد الثقافة الأوروبية النخبوية.
ساركو الأميركي!
نيكولا ساركوزي أو ساركو الأميركي كما تسميه وسائل إعلامية فرنسية يريد أن يقطع التردد الفرنسي إزاء العلاقات مع فرنسا بالانعطاف يمينا ليس فقط نحو علاقات أفضل مع أميركا بل نحو التحالف معها والمرشح الذي يتصدر اسمه استطلاعات الرأي في فرنسا كمرشح أوفر حظا في انتخابات الرئاسة الفرنسية عام 2007 كشف عن جوانب من تصوره للمستقبل ففي زيارة للولايات المتحدة وهو لم يضع الفرصة فتعامل مع الأميركيين وكأنه رئيس دولة وأكد عزمه على إعادة بناء العلاقة بين فرنسا والولايات المتحدة بعد أن شهدت فتورا وصل لدرجة التوتر إثر الغزو الأميركي للعراق 2003.
وأجرى الوزير الفرنسي محادثات مع الرئيس الأميركي جورج بوش في مكتب مستشار الأمن القومي الأميركي ستيفن هادلي، إضافة إلى محادثاته مع وزيرة الخارجية الأميركية كوندوليزا رايس.
وقد انتهز ساركوزي هذه الفرصة للإدلاء بدلوه في الموضوع الإيراني عندما قال في كلمة أمام المؤسسة الأميركية الفرنسية بواشنطن إن الأولوية للجهود الدبلوماسية، لكن تبقى جميع الخيارات مفتوحة. كما أشار المراقبون إلى أن الملف الأمني كان حاضرا بقوة خاصة أن ساركوزي له وجهات نظر تلتقي مع واشنطن في ضرورة تدعيم التعاون الأوروبي الأميركي فيما يسمى حرب الإرهاب وأكد وزير الداخلية الفرنسي أنه من مصلحة الولايات المتحدة أن تكون أوروبا «متماسكة سياسيا».
وحرص ساركوزي على تهدئة غضب الأميركيين تجاه الانتقادات الشديدة الموجهة إلى سياساتهم في وسائل الإعلام الفرنسية ورأى الوزير أن هذه الانتقادات لا تعكس حقيقة مشاعر الشعب الفرنسي، وقال في كلمته بواشنطن إن الفرنسيين يحبون الأطعمة والبرامج التلفزيونية الأميركية ويحلمون بإيفاد أبنائهم للدراسة في الولايات المتحدة!.
كاتب مصري