يواجه الشعب الفلسطيني تحت الاحتلال الإسرائيلي أشد أنواع الحصار وأكثرها إرهاباً وفتكاً تحدث ضرراً اقتصادياً واجتماعياً هائلين. تهدف إسرائيل من وراء إحكام ذلك الحصار إلى تدمير الوجود الفلسطيني والبنية الأساسية الداخلية وإنهاء الصمود الأسطوري الأزلي لهذا الشعب المرابط. وصل الحصار الخانق إلى حد عز فيه رغيف الخبز على الكثير من الأسر الفلسطينية الفقيرة وميسورة الحال فيما مضى وأصبح جل أفرادها يذهبون إلى نومهم بأمعاء خالية وخاوية.

لا يختلف اثنان في العالم الآن بأن الشعب الفلسطيني يمثل صخرة صمود العرب والمسلمين ضد أكبر قوة غاشمة عرفها التاريخ البشري الحديث. بات واجباً على العرب والمسلمين إيجاد آلية ثابتة لتوفير كافة أشكال الدعم الممكنة لصمود ذلك الشعب ضد عدو مشترك يتحلى بصفات وحشية في التعامل مع الأطفال والنساء والشيوخ والرجال العزّل من السلاح. بلاد العرب والمسلمين غنية بمواردها الطبيعية وفي مقدمتها البترول الذي تصل أسعاره في السوق الدولية إلى مستويات قياسية.

العائدات المالية من بئر نفطية واحدة من بين مئات بل آلاف الآبار النفطية المنتشرة عبر العالمين العربي والإسلامي قادرة على حل جل المشاكل والأزمات المالية التي يتسبب بها الحصار الإسرائيلي الخانق، المدعوم أميركياً، للسلطة المنتخبَة والشعب الفلسطيني. بدلاً من أن تذهب عائدات ذلك البئر النفطية للاستثمار في أسبانيا مثلاً، ما الضير لو وُظّفت تلك الأموال لخدمة الشعب الصامد في الأراضي العربية المحتلة. في هذا الصدد بات على الزعماء المسلمين أن يكون لديهم القدرة على إقناع الجانب الأميركي بالطرق الدبلوماسية والسياسية لفك الحصار المالي المفروض على الديمقراطية الفلسطينية الحقيقية الوحيدة في المنطقة.

بدلاً من الاكتفاء بإصدار تصريحات شجب «لا تغني عن جوع»، على قادة الدول الإسلامية مواجهة أركان الإدارة الأميركية لإخبارهم وإقناعهم أن حالة التفرّد الإسرائيلي بمستقبل وقوت الشعب الفلسطيني لا يمكن أن تستمر إلى ما بعد هذا الحد اللا-إنساني واللا-حضاري.

هنالك عدة طرق وأوراق ضغط يمكن للعرب استعمالها لحمل الإدارة الأميركية للاستجابة للمطالب العربية المعقولة والمشروعة لرفع الحصار الذي تفرضه إسرائيل، والذي يرقى إلى مستوى جريمة حرب كبرى ضد ديمقراطية شعب صامد ضد احتلال بشع. على ساسة العرب والمسلمين أن يدركوا أن زمان الطاعة العمياء والذي تمثل في الماضي القريب والبعيد بعبارة من مثل «نعم سيّدي» كانت تقال للحاكم الاستعماري الغربي قد ولى وإلى غير رجعة.

لم يعد الأمر بالسهولة التي تفترض أنه إذا ما أراد سيد البيت الأبيض أن يقول للعرب «كونوا» فيكونون دون حتى مناقشة أو معارضة بسيطة في الأمر. أن يكون بعض عملاء أو حلفاء صغار للأميركان وراضين عن سياساتهم لا يعني أبداً ألا يكون لديهم القدرة على النقاش أو المعارضة أو الممانعة للنزعات الأميركية المؤيدة لإسرائيل في سبيل وضع حدٍّ لحصارٍ عاتٍ ضد شعب أعزل ينشد الحرية والعدل والسلام.

حصار يؤثر الآن في نخاع عظم البشر. على المسؤولين العرب الذين يلتقون مثلاً بوزيرة الخارجية الأميركية كوندوليزا رايس التي تزور العواصم العربية أن يواجهوها بتلك الحقيقة المرعبة وعن كثب عما يفعله الحصار الإسرائيلي بالديمقراطية الفلسطينية والذي لا يحرك الغرب أي ساكنٍ لوقفه. وتشمل أوراق الضغط العربية تذكير الأميركيين وبشكل جدي بأن لهم مصالح آنية ومستقبلية واستراتيجية، وحتى أخلاقية، مع العالم العربي تفوق عشرات الأضعاف مصالحهم مع الكيان الإسرائيلي.

من ضمن تلك المصالح تلك التي تتصل بالنفط والموقع الجغرافي الاستراتيجي والقواعد الأميركية العسكرية على أراضي بعض الدول العربية والإسلامية والمصالح الثقافية والتجارية وغير ذلك الكثير؛ إلى متى ستستمر حالة السكوت والشلل في التحرك العربي والإسلامي لوقف الحصار على الشعب الفلسطيني الأعزل؟

من المؤسف حقاً أن لدى الشعوب العربية عامة قابلية غير عادية لحدوث انشقاق وتصدع يتبعه اقتتال واحتراب بين فئاته المختلفة سياسياً أو عقائدياً أو عرقياً؛ يبدو أن الشعب الفلسطيني ليس استثناءً عملت إسرائيل ومنذ زمن بعيد على تصعيد الموقف بين الفصائل السياسية الفلسطينية ودفعه إلى حافة الاحتراب بعد تعريض الشعب الفلسطيني لأقسى أنواع الحصار؛ الظروف الأمنية هشة والسلطة الفلسطينية عاجزة عن القيام بوظائفها لحفظ الأمن وتطبيق النظام وردع العابثين بالوحدة الوطنية من هذا الطرف أو ذاك.

يشبه الوضع في المناطق المحتلة الحال في غابة شائكة تقوم إسرائيل بتنفيذ مخططاتها بكل يسرٍ في ظل غياب كامل للشرعية الدولية والمحلية ومراقبة جمعيات حقوق الإنسان. باستطاعة أجهزة الأمن الإسرائيلية القيام بالكثير من الأدوار التخريبية والإرهابية في المناطق المحتلة تغذي في النهاية الشروع بحرب أهلية تأتي على كامل إنجازات الشعب الفلسطيني الديمقراطية، بحيث يبدو إنجاح التجربة الديمقراطية الفلسطينية في النهاية غير ذي معنى مع انعدام رغيف الخبز في المخابز الشعبية.

في ذلك الاتجاه بدأت وسائل الإعلام الأميركية والإسرائيلية تدقان طبول الحرب الأهلية بين مؤيدين لحركة فتح وآخرين لحركة حماس. ما كان بالأمس يعتبره القادة الفلسطينيون خطّاً أحمر أصبح اليوم سهل التجاوز بعد اتهامات متبادلة بالخيانة والتواطؤ مع العدو ومن على شاشات الفضائيات العالمية والإقليمية والمحلية. على الأطراف الفلسطينية أن تلجأ إلى منطق الحكمة والتعقل والابتعاد عن السعي للوصول إلى كرسي الحكم بغض النظر عن الأساليب والتكاليف والتضحيات التي تأخذ الكثير من شعب وصل به الحصار إلى مستويات تاريخية غير مسبوقة.

على الفلسطينيين خاصة والعرب عامة أن يدركوا حقيقة أن التاريخ لا يعير اهتماماً لمن هو المسؤول عن الإخفاق في امتحانات مصيرية كالتي مرت وتمر بالقضية الفلسطينية، لن يلتفت التاريخ إلى من يلومه عند حدوث كارثة ناجمة عن سوء تصرف أو حماقة المسؤولين. لن تختلف الحرب الأهلية الفلسطينية، إن حدثت لا سمح الله، عن نظيراتها في الصومال والجزائر والسودان ولبنان واليمن وأخير وليس آخراً في العراق تحت الاحتلال الأنجلو-أميركي الحديث.

على القادة الفلسطينيين السياسيين أن يترفعوا عن نهج المراهقة الفكرية والسياسية وأساليب البلطجة الإعلامية وكيل الاتهامات المغرضة ضد بعضهم البعض، ذلك لأن أوضاع الفلسطينيين تحت الاحتلال لا تحتمل ذلك على الإطلاق. لقد وقع الفلسطينيون في الماضي القريب ضحايا حروب أهلية مدمِّرة لهم ولقضيتهم في الأردن ولبنان. الحرب الأهلية الفلسطينية هي من أول الأهداف لدى قادة إسرائيل على الدوام، وقادة الولايات المتحدة الحاليين في حربهم على ما يطلقون عليه اسم الإرهاب الإسلامي أو الفاشية الإسلامية. يشرب الحكام المحافظون الأميركيون الأنخاب في مسلخ عشرات آلاف العراقيين في الشوارع والمطاعم والمقاهي العامة ودور العبادة العراقية.

ويعرف الفلسطينيون أكثر من غيرهم بأن الوضع العربي على عادته مصاب بالشلل التام؛ العرب غير قادرين على فعل أي شيء لخدمة القضايا العربية الصغيرة والكبيرة والمصيرية. على الفلسطينيين ألا يضعوا أي أمل على العرب في ذلك الاتجاه وأن يأخذوا العبرة الإضافية من أحدث تجربة تواجهها الجامعة العربية في سبحة التجارب العربية التي فشلت فيها، قضية ولاية دارفور السودانية.

جامعة الإمارات