بات حديث الشارع الإماراتي، في هذه الأيام، لا يخرج عن نطاقين رئيسيين، الأول متصل بالتحولات في مجال المشاركة السياسية، والثاني حول رؤية المواطنين للدور الذي يجب أن يلعبه المجلس الوطني الاتحادي، في الرحلة المقبلة، وأن الدورة الثالثة من مثلث التنمية قد بدأت من جديد.
آخذين بعين الاعتبار أن الدولة خلال العقود الثلاثة الماضية، قد دخلت في طور مرحلة الشباب أو طور التمرد على مرحلة الطفولة، والتي أخذت جهداً لا بأس به سواء على المستوى القيادي أو على المستوى الشعبي.
كانت مرحلة التنشئة الاجتماعية لذلك الطفل الوليد صعبة بكل ما تحمله الكلمة من معنى، حيث التحول من مجتمع القبيلة إلى الدولة، مرحلة تحتاج إلى عمل متواصل للتخلص من إرث يمتد لعشرات السنين إن لم يكن إلى قرن من الزمان.
من المعلوم أن المجتمعات التقليدية، وخاصة في ظل تحكم عوامل خارجية، حالت دون التطور الطبيعي، لعبت دوراً في تخلف المجتمع، بل وأكدت على وضع العصا في رحى التقدم، إلا أن الإرادة السياسية، والتي كانت تدرك أن التحول الجذري، يؤدي إلى نتائج عكسية، هو في غير صالح هذا المجتمع، وخاصة بعدما اتضحت الرؤيا في العديد من الأقطار المجاورة، والتي حاولت حرق المراحل، لقد أدرك الجميع أن التطور الطبيعي في الحياة، هو الذي يستمر، ويظل يحافظ على حقوق الإنسان في العيش بحياة كريمة.
إذا كان النفط هو المحرك للحياة في العديد من المجتمعات العربية، إلا أنه ثبت بالملموس أن العامل الاقتصادي ليس هو العامل الحاسم في عملية التغير حيث إنه قد يشكل في مرحلة ما، معوقاً للتقدم، بل قد يكون سبباً لعرقلة التقدم، خاصة في مرحلة القفز، على السلطة، كما حدث في بعض المجتمعات العربية، وأن الشعارات لا تطعم الأفواه الجائعة ليس للخبز فقط بل للحياة الكريمة وأن خيوط التضليل لا يمكن أن تستمر للأبد.
ومن هنا كان التحدي الأكبر للدول الصغرى، أن تثبت أن هنالك نموذجاً جديداً للتنمية، لا يرفع إلا شعار التأكيد على دولة الرفاه، وأن الإنسان هو الغاية من كل مشاريع التنمية، وهو الشعار الذي رفعته الدول الاسكندنافية بعد مرحلة الحرب العالمية الثانية.
إن مجتمع الإمارات، هو من المجتمعات التي انتقلت، خلال العقود الثلاثة الماضية، من المجتمع البسيط إلى المجتمع الحديث، من مجتمع الكفاف، إلى مجتمع حديث، الدولة هي المسؤول الأول عن التعليم، والعمل، والسكن، والضمان الاجتماعي، وتوفير الحياة الكريمة للإنسان المسحوق، والذي عانى من الفقر والجهل، لقد أدركت السلطة السياسية، أن التحول نحو الحياة الجديدة يحتاج إلى وقت طويل، بل يحتاج إلى التخطيط البطيء، وعدم الاستعجال، في اتخاذ قرارات قد تؤدي إلى انتكاسة في منظومة الحياة بشكل عام.
إن التشكيلات الاجتماعية الاقتصادية، لمجتمع الإمارات، معقدة جداً.
آخذين بعين الاعتبار ان التركيبة السكانية لهذه المجتمعات، معقدة وربما متشابكة بكل ما تحمله الكلمة من معنى. ان المرحلة الجديدة تتطلب تفهما، لكل تلك الخلفيات، ومن هنا كانت اللجان الانتخابية مفاجأة لمن لا يعرف تلك الخارطة، إلا أنها كانت فرزا طبيعيا، لوضع يشكل إفرازا لمراحل تطور هذا المجتمع فمن الفاقة إلى الثراء الفاحش، لابد وان يعالج بأسلوب جديد.
حياة جديدة تراعى فيها الأغلبية والأقلية، إنه إدراك ان المجتمع الجديد، لابد ان يراعي هذه التركيبة، وان حامل الدرجة العلمية العليا، والمواطن البسيط، هما في نهاية المطاف متساويان امام الدستور والذي يشكل العقد الاجتماعي، وان السلطة السياسية ترى ان الدولة لا تفرق بين أولئك، وان الوطن للجميع، إلا ان الذي يدعو للاستغراب، بل إلى طرح التساؤلات الآتية: ماذا تريد بعض الفئات الاجتماعية؟ هل تريد القفز على الواقع وتعتقد أنها الوحيدة التي تستطيع تحقيق المعجزات؟ أم تريد ان يسيطر على المسيرة التنموية السياسية فئة معينة؟
بلاشك ان هناك معايير معينة أدت إلى تشكيل اللجان الانتخابية في كل إمارة، اعتماداً على الدستور في الدرجة الأولى، ومراعاة لأمور أخرى ليس المجال هنا للحديث عنها، إلا ان تلك اللجان بشكل من الأشكال هي عينة عمدية حسب المصطلح الاجتماعي الإحصائي.
ومن المهم ان يشارك الجميع سواء أكانوا أعضاء اللجان الانتخابية، أم من خارجيها من المواطنين في عملية نشر الثقافة الانتخابية، ووضع تصورات للمرحلة القادمة، سواء فيما يتعلق بالمجلس الوطني الاتحادي، وآليات التحول نحو المشاركة السياسية بعد هذه المرحلة وهنا قد يكون على مؤسسات المجمتع المدني، إضافة إلى وسائل الاتصال المختلفة، الدور الأكبر في مناقشة القضايا المهمة للمرحلة الجديدة من عمر الدولة الاتحادية.
ان على جمعيات النفع العام سواء جمعية الاجتماعيين، الصحافيين، المعلمين، أعضاء هيئة التدريس، الحقوقيين، المسرحيين، والجمعيات النسائية دورا مهما في ممارسة مهام منظمات المجتمع المدني، وعلى بعض هؤلاء المنزويين في أبراجهم العالية النزول للعمل من أجل الوطن وترسيخ مفهوم الدولة الحديثة.
ان عجلة التحديث السياسي والمشاركة قد بدأت وعلى الجميع ان يدرك ان لهذا الإنسان والوطن حقوقاً يجب ان نعمل من أجل ترسيخها، وان التطور قد يبدأ بخطوات بسيطة، إلا ان استمراره مرهون بعدة عوامل من المهم ان يكون التخطيط سليما، وان يكون العمل لمستقبل أفضل هو الهدف.
رئيس وحدة الدراسات ـ البيان
malmutawa@albayan.ae