تطورات مهمة ونوعية يشهدها الآن الملف العراقي، في جانبه السياسي، ويبدو أنها ذات طابع حاسم ومصيري، مستقبل البلد قد يتقرر على أساسها. وهي تشكل طرفي النقيض. منها ما يحاول تجميع أشلاء العراق واستعادة وحدته، ومنها ما يرى أن المخرج الميسور من أزمته المتفاقمة يكمن في اعتماد صيغة تجمع بين التقسيم والمركزية، التزامن بين الخيارين يشير إلى أن العراق بات يقف أمام مفترق طرق: فإما أن يتجه نحو إعادة ترتيب وضعه السابق للحرب، وإما أن ينتهي في البديل، الذي يصبّ في نهاية الأمر في التفكيك. وكل شيء يدل على أن السباق بين الخيارين قد بدأ. والفسحة الزمنية الفاصلة عن الحسم، لن تكون طويلة، فالوضع لم يعد يقوى على الاستمرار كما هو.
لجنة بيكر ـ الوزير السابق أيام بوش الأب ـ عادت من العراق وبدأت في وضع تقريرها النهائي، وكان الرئيس بوش قد أوفدها إلى العراق لدراسة الحالة على الأرض والعودة بمقترحات لصياغة مخرج لإدارة بوش من الوحلة العراقية، جهات غربية تقول إن التقرير لن يكون جاهزاً قبل انتخابات الكونغرس ـ في السابع من نوفمبر ـ الوزير أعطى تلميحات في لقاءات تلفزيونية، جرت معه أول أمس الأحد في واشنطن، بخصوص بدائل لا مفر منها، مواصلة الحرب بالطريقة المعمول بها، صار ضرباً من العبث.
من هذه البدائل «فتح حوار مع الأعداء»، أي إيران وسوريا، ومع انه أسقط فكرة تقسيم العراق إلى ثلاث مناطق، في ظل حكومة مركزية، «باعتبارها صيغة غير عملية»، إلا أن جريدة «صنداي تايمز» اللندنية، نقلت عن مصادر وثيقة الصلة بعمل اللجنة، بأن هذه الأخيرة «تستحسن» صيغة تجزئة العراق إلى 3 أقاليم، كبديل وحيد لخيارين صعبين: الانسحاب أو إبقاء الأوضاع على ما هي عليه.
في أية حال تبدو واشنطن أنها تقف على عتبة نقلة نوعية إزاء العراق، سواء رست الأمور على التجزئة أو على صفقة مع الجوار، فإن الواقع الراهن يبدو أنه شارف على نهايته.
في المقابل تستعد القوى العراقية، خاصة الشيعية والسنية، لمؤتمر صلح يعقد في مكة قبل نهاية رمضان تحت عنوان تحريم سفك الدم العراقي على يد العراقيين، مؤتمر القمة الإسلامية، تقول مصادره بأنه انتهى من وضع مسودة الاتفاق، الموعد قريب، وفي الوقت ذاته تزداد الساحة الداخلية اشتعالاً، العنف يواصل حصد الضحايا بالعشرات، وفي الديوانية عادت الاشتباكات بين القوات الأميركية وجيش المهدي.
وبذلك يبدو المشهد وكأنه عملية سباق وتنافس بين خيارات ومشاريع وعملية تصعيد ميداني، ينفتح معها الباب على المجهول، إلا إذا اختار العراقيون من مؤتمر مكة نقطة بداية باتجاه لملمة أمورهم، بوقف التدهور أولاً، ومن ثم الالتفات إلى الملفات الجوهرية لبناء الدولة والاحتكام إلى مؤسساتها في القضايا الخلافية.
واشنطن تبحث عن خلاص يحفظ ماء الوجه ويضمن حماية مصالحها الحيوية: العسكرية والنفطية والاستراتيجية في المنطقة، فهي معنية أولاً وأخيراً، بصرف النظر عن كلامها المعسول بخصوص الحرية والديمقراطية، باعتماد الصيغة التي تلبّي أولوياتها، وحدة العراق أرضاً وشعباً ودولة؛ مسؤولية العراقيين. لا أجد من يقوى على حملهم على غير ذلك إذا حزموا أمورهم في هذا الخصوص، وعلى الجوار مساعدتهم في ذلك، لأن سكين التقطيع لن ترحم أحداً إذا ما اخترقت الجسم العراقي.