الاجتماع الذي عقد يوم أمس بمدينة جدة بالمملكة العربية السعودية وضم كلاًّ من نائب وزير التخطيط والتعاون الدولي وسعادة الأمين العام لمجلس التعاون لدول الخليج العربية إلى جانب ممثلين عن مؤسسات ودول مانحة لاشك وأنه الذي يكتسب أهميته من كونه يدشن مرحلة متقدمة من التحضيرات الجارية لانعقاد مؤتمر المانحين المقرر عقده في لندن في منتصف نوفمبر القادم.
وهو المؤتمر الذي سيُعنى بتوفير التمويل لاحتياجات الخطط والبرامج الإنمائية في اليمن وفق الأولويات التي أعدتها الأجهزة المعنية في بلادنا في إطار الأجندة المرسومة لمكافحة الفقر وتحقيق أهداف الألفية وخطة التنمية الشاملة والتي راعت تحقيق الانتعاش والنهوض والارتقاء بكافة القطاعات الإنتاجية والاقتصادية وبما يعزز من قدرة اليمن على مواجهة تحديات الحاضر والمستقبل وإسهامه مع دول المنطقة في إقامة شراكة إقليمية حقيقية تسهم في إرساء عوامل الأمن والاستقرار في هذا الجزء الهام والاستراتيجي من العالم.
وإذا كان اجتماع جدة قد وقف أمام القضايا التي ستبحث في الاجتماع المشترك لوزراء الخارجية والمالية لدول مجلس التعاون الخليجي واليمن مطلع الشهر المقبل ومن ذلك الترتيبات لإنجاح مؤتمر المانحين الدوليين ، وكذا مناقشة الخطة التي قدمتها الجمهورية اليمنية لتأهيل اقتصادها وإدماجه باقتصاديات دول مجلس التعاون فإن ما يحسب لهذه الفاعلية أنها التي جسدت قناعة الجانبين بحقيقة أن دول الجزيرة والخليج ستظل كلاًّ لا يتجزأ وأن موقع اليمن الجيوسياسي قد جعل منه مكوناً أساسياً وأصيلاً في خارطة هذه المنطقة ونسيجها العام يؤثر ويتأثر بما يجري فيها من تفاعلات .. فضلاً عن أن مقوماته وتراثه الحضاري تحتم عليه أن يكون قريباً وعلى التصاق دائم بمحيطه انطلاقاً من إدراكه العميق بأن مثل هذا الاندماج تفرضه أمومة الجغرافيا وروابط الإخاء والقواسم المشتركة بين شعوب المنطقة.
وعليه فإذا كان من الأهمية اليوم أن تتكرس الجهود لبلورة رؤية يمنية خليجية مشتركة تفضي إلى تفاعل المجتمع الدولي مع قضايا التنمية في اليمن وخروج مؤتمر لندن بالنتائج المرجوة والمنشودة فإننا الذين نشعر بأننا في هذه المنطقة بحاجة - أكثر من أي وقت مضى - للعمل سوياً على أرضية مشتركة يتخللها الفهم المتبادل والإدراك المسئول بأن كل طرف منا يعدُّ سنداً للآخر مهما تباينت الإمكانات والموارد خاصة بعد أن أصبح منطق الحسابات محكوماً بمحدداتٍ كثيرة يتداخل فيها الاقتصادي بالأمني والسياسي بالثقافي والاجتماعي.
ولعل ذلك هو ما استوعبته دول الإتحاد الأوروبي التي لم تجعل من مسألة التفاوت في الموارد والامكانيات تشكل عائقاً في تطور كيانها الاتحادي وتوسيع بنيته ، حيث عملت على معالجة أية فوارق في هذا الجانب من خلال دعم الدول الأقل قدرة اقتصادياً وتحسين أوضاعها بما يمكنها من الانضمام وأن تصبح رقماً مؤثراً في حركة الإتحاد الأوروبي ونهضته .
ومع ذلك فإننا الذين ننظر لأية خطوة تؤدي إلى ترسيخ عوامل الشراكة بين الأشقاء في هذه المنطقة أو على المستوى العربي ككل بتقدير كبير ، وهي نظرة نابعة في الأساس من رؤيتنا الواعية لما يعتمل على السطح الاقليمي والدولي من متغيرات وكذا ما ينبئ به المستقبل من تحديات.
حيث أنه وفي ظل أوضاع كهذه فإن المصلحة تدفعنا جميعاً إلى إعادة النظر في منطق تعاملنا مع قضايا الحاضر وظروف المستقبل بصورة تتمعَّن في كل تفاعلاته وانعكاساته خاصة إذا ما علمنا بأن أية قراءة قاصرة لن ينتج عنها سوى المزيد من الأضرار التي ستلحق بشعوبنا وأمتنا .
وذلك ما يستحق الالتفات إليه بمسئولية وأمانة وصدق مع النفس بيد أن خطوات التنسيق اليوم بين اليمن ودول الخليج من أجل إنجاح مؤتمر المانحين القادم يمكن أن تصبح حجر الأساس لمسار الشراكة بل والقاعدة التي تستقيم عليها مجريات الاندماج واكتمال عِقد مجلس التعاون الخليجي بانضمام اليمن الكامل إلى مختلف مؤسساته تحقيقاً للمنافع المتبادلة التي ستعود بالخير والنماء على كافة شعوب وبلدان هذه المنطقة.
ونعتقد بأن التقدم في هذا الاتجاه أصبح ضرورة تحتمها معطيات الأمن الجماعي وتشابك المصالح وواحدية الأهداف والتطلعات والمصير المشترك.